د.مثنى إبراهيم الطالقاني | رئيس التحرير
في مجتمعنا العراقي توجد ظاهرة راسخة تم سلوكها على الفطرة، وهي: إذا “غاب العقاب يُساء الأدب”، وحين تضعف المحاسبة تتسع مساحة التجاوز، حتى يصبح الخطأ سلوكاً مألوفاً، ويتحول احترام القانون من قاعدة عامة إلى خيار شخصي.
المشكلة ليست في غياب القوانين الصادرة عن الجهات الحكومية بقدر ما هي في ضعف تطبيقها، فحين يعرف الإنسان أن تجاوزه سيقابله حساب، وأن الموظف المسيء سيُساءل، وأن صاحب النفوذ ليس فوق القانون، فإنه يلتزم بحدوده.
أما حين يرى المخالفة تمر بلا عقوبة، والشكوى لا تتحرك إلا إذا وصلت إلى الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الرسالة تصبح واضحة: يمكن التجاوز ما دام الإفلات من المحاسبة ممكناً.
وهنا تبدأ أزمة أعمق من مجرد مخالفة فردية، إنها أزمة في ثقافة الدولة وهيبة القانون.
الموظف الحكومي ليس صاحب سلطة شخصية على المواطن، طالما أنه مكلف بخدمة عامة، وظيفته تنفيذ القوانين والأوامر والتعليمات، وإنجاز معاملات الناس، وحماية حقوقهم وصون كرامتهم.
والراتب الذي يتقاضاه ليس امتيازاً شخصياً، وإنما مقابل خدمة يؤديها للمجتمع.
فماذا يعني أن يوقف شرطي مواطناً عند حاجز أمني ويتحدث معه باستفزاز وعنجهية؟ وماذا يعني أن يقف عشرات المواطنين في طوابير طويلة أمام دائرة حكومية، ثم يغلق الموظف نافذة الخدمة ويقول: “اكتفينا اليوم، راجعونا غداً”؟ وماذا يعني أن يتعامل موظف الجباية مع المواطن بمنطق التهديد والإهانة عند مطالبته بتسديد أجور الماء أو الكهرباء، بدلاً من أداء مهمته وفق القانون وبأسلوب يحفظ كرامة الطرفين؟
هذه ليست تفاصيل هامشية، إنها صور يومية لاختلال العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وحين تتكرر بلا معالجة تتحول من سلوك فردي إلى ثقافة عامة.
الأخطر أن المواطن يبدأ بفقدان ثقته بالمؤسسة، والبحث عن بدائل غير قانونية لإنجاز معاملته: واسطة، معرفة، رشوة أو نشر المشكلة في مواقع التواصل.. وهنا لا يعود الخلل في الموظف وحده، بقدر ما هي منظومة بيروقراطية رسخت الأخطاء الإدارية وسمحت بأن تصبح كرامة المواطن مرتبطة بمزاج الموظف أو نفوذه.
والسؤال الذي نطرحه باستغراب عميق: لماذا ننتظر دائماً وقوع الإساءة حتى تتحرك المؤسسة؟ لماذا لا تكون هناك تعليمات واضحة وملزمة بشأن استقبال المواطنين، وآليات معلنة للشكاوى، ومؤشرات لقياس جودة الخدمة، ومحاسبة حقيقية لمن يسيء استخدام سلطته؟
الدولة القوية لا تنتظر أن يصور المواطن موظفاً مسيئاً وينشر المقطع حتى تبدأ التحقيق، والإدارة الناجحة لا تحتاج إلى “ترند” حتى تتذكر أن المواطن له حقوق.
والأمر ذاته ينطبق على السلاح الذي تعمل حكومة الزيدي على حصره لدى القوات المسلحة… لقد فرضت ظروف العراق الأمنية في مراحل سابقة ظهور جماعات مسلحة خارج البناء التقليدي للمؤسسات الرسمية، وفق حالة التشظي الأمني التي فُرضت بأجندات داخلية وخارجية، ومع تصاعد الأمل لدى المواطن العراقي بخطوات الحكومة الجديدة بالإطاحة برؤوس الفساد وملف تنظيم الأمن وتحقيق الاستقرار والسيادة الوطنية.. ولكن الاستثناء هنا لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة دائمة، فإذا عالجت الدولة أوضاع هذه الجماعات وطلبت فك ارتباطها بالأجنحة السياسية ضمن القانون، ومنحت أفرادها حقوقاً وضمانات داخل المؤسسات الرسمية، فإن استمرار أي طرف في رفض حصر السلاح بيد الدولة يمثل تحدياً مباشراً لسلطة القانون والسلم المجتمعي.
ولا يمكن بناء دولة حديثة بمؤسسات أمنية رسمية يحترمها جميع الدول، وفي الوقت نفسه السماح لجماعات أو أفراد بامتلاك أسلحة متوسطة وثقيلة خارج سلطة الدولة. كما لا يمكن أن تكون العشيرة بديلاً عن الشرطة، أو السلاح العشائري بديلاً عن القوات المسلحة، أو النفوذ الاجتماعي بديلاً عن القضاء.
العشيرة جزء أصيل من المجتمع العراقي، لكن مكانتها الاجتماعية لا تمنح أفرادها حق امتلاك قوة موازية للدولة!.
إن احترام العشائر لا يتعارض مع احترام القانون، بالمقابل، إن قوة الدولة الحقيقية هي أن تجعل الجميع، من المواطن البسيط إلى صاحب النفوذ، تحت مظلة قانون واحدة.
هيبة الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالعدالة والانضباط والمحاسبة،، الموظف الذي يهين مواطناً يحتاج إلى محاسبة، والشرطي الذي يتجاوز حدود وظيفته يحتاج إلى محاسبة، والمسؤول الذي يستغل منصبه يحتاج إلى محاسبة، ومن يحمل السلاح خارج إطار الدولة يحتاج إلى تطبيق القانون عليه.
لذلك تحتاج الحكومة إلى مشروع جاد لإعادة بناء ثقافة الوظيفة العامة، يبدأ بتدريب الموظفين على التعامل المهني والإنساني، ووضع مواثيق سلوك وظيفي ملزمة، وتفعيل قنوات الشكاوى، وربط تقييم الموظف بجودة الخدمة، وتطبيق العقوبات دون انتقائية أو تمييز، مهما علا شأن الشخص.
كما يجب أن تنتقل المؤسسات الحكومية من ثقافة “أنجز معاملتك إذا وجدت الشخص المناسب” إلى ثقافة “أنجز حقك لأن القانون يكفله”.
فالمواطن ليس عبئاً على الموظف، وإنجاز المعاملة ليس معروفاً شخصياً، والخدمة العامة ليست منّة، إنها حق يقابله واجب، ومسؤولية تقابلها محاسبة.
وفي ختام هذا السياق أقول إن هيبة الدولة ليست أن يخاف المواطن من رجل الأمن أو المسؤول إطلاقاً، بقدر أن يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن الموظف يخدمه، وأن المسؤول يُحاسب، وأن السلاح لا يكون إلا بيد الدولة… في أي بلد، الحكومة التي لا تحاسب من يسيء استخدام سلطته تفتح الباب للفوضى، أما الحكومة التي تطبق القانون بعدالة فلا تحتاج إلى استعراض هيبتها، يكفي أن يعرف الجميع أن القانون حاضر ولا أحد فوقه.

