هيئة النزاهة العراقية بين واقع الأداء وآفاق التطوير

نبيل رحيم العبادي

د.نبيل رحيم العبادي | خبير مصرفي ومالي

بعد أن كان حديثنا في مناسبة سابقة عن دلالة التسمية وما تحمله من رسائل قيمية وفلسفية، ننتقل اليوم إلى محور أكثر إلحاحاً وأشد تأثيراً في حياة المواطن ومستقبل الدولة، ألا وهو واقع الأداء الفعلي لهيئة النزاهة الاتحادية، وسبل تطويره وتفعيل أدواته بما يليق بالثقة الممنوحة لها وبالرسالة السامية التي تحمل اسمها. فالاتفاق على جمالية الاسم أو دقة مدلوله لا يغني عن المراجعة الجادة للأداء، والتساؤل المشروع عن أسباب الفجوة بين الصلاحيات القانونية الواسعة والمخرجات الملموسة على أرض الواقع، وكيف يمكن لهذه المؤسسة الدستورية العتيدة أن تتحول إلى رادع حقيقي، وليس مجرد هيئة تتفاعل مع الفساد بعد وقوعه، بل تسبقه بالوقاية، وترسخ قيم النزاهة كثقافة مجتمعية راسخة، لا مجرد إجراءات رقابية.

إن المتأمل في تجارب الدول التي نجحت في خفض مؤشرات الفساد بشكل ملموس، يجد أن القاسم المشترك بينها لا يقتصر على وجود هيئة لمكافحة الفساد، بل يتعداه إلى توفير بيئة داعمة وحقيقية تعتمد على مبدأ الاستقلالية المالية والإدارية والقضائية، وهذه النقطة بالذات تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه هيئة النزاهة العراقية. فقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 أن إنشاء هيئات وطنية متخصصة يتمتع أعضاؤها بالاستقلالية اللازمة لتأدية مهامهم، هو أمر أساسي لنجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، وهو ما نلمسه بوضوح في النموذج السنغافوري المتمثل بهيئة مكافحة الفساد (CPIB)، التي حققت معدلات إدانة تجاوزت 98% من القضايا المحالة إلى القضاء. ولم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل من دمج عناصر عدة في منظومة متكاملة تشمل الاستقلالية المؤسسية، والإطار القانوني المتين، والدعم السياسي غير المتردد، وآليات الرقابة الداخلية الفاعلة، والاستخدام الذكي للتكنولوجيا، وتعليم مكافحة الفساد، والمشاركة المجتمعية الواسعة.

وكذلك الحال في تجربة هونغ كونغ من خلال هيئة مكافحة الفساد المستقلة (ICAC)، التي اعتمدت استراتيجية ثلاثية الأبعاد تقوم على الإنفاذ القانوني والوقاية والتثقيف معاً. وهذا التوازن الدقيق بين الأدوار هو ما نفتقده اليوم في عمل الهيئة العراقية، التي غالباً ما تنشغل بالملاحقة القضائية وتغفل الجانب الوقائي والتوعوي، الذي لا يقل أهمية عن المكافحة، بل إنه الأكثر تأثيراً في المدى البعيد؛ لأن ثقافة النزاهة لا تُبنى بين ليلة وضحاها، ولا تُفرض بالقوانين وحدها، بل تحتاج إلى استثمار حقيقي في بناء الوعي ونشر قيم الشفافية والمساءلة في جميع مؤسسات الدولة والمجتمع.

وهو ما دفع الهيئة السعودية «نزاهة» إلى التركيز على الرقابة الإدارية وحماية النزاهة وتعزيز الشفافية وتنسيق الجهود بين القطاعين العام والخاص، بينما أطلقت هيئة النزاهة الأردنية مؤشراً وطنياً لقياس أداء المؤسسات، وهي نماذج يمكن الاستلهام منها لتطوير الأدوات الرقابية والتقييمية في العراق، بدلاً من الاقتصار على الأدوات التقليدية التي لم تعد تواكب تعقيدات الفساد في العصر الرقمي.

وإذا انتقلنا إلى الجانب التقني والتكنولوجي، فإن المتتبع للتطورات العالمية يلاحظ تحولاً كبيراً في آليات عمل هيئات مكافحة الفساد نحو الاعتماد على التقنيات الحديثة، فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة أصبحا أدوات أساسية للكشف عن أنماط الفساد والتلاعب المالي. وقد طورت سنغافورة منصة إلكترونية متطورة لإدارة البلاغات وتحليلها وتوزيعها على المحققين المختصين، إلى جانب إصدار دليل عملي لمكافحة الفساد في القطاع الخاص، كما شرعت هونغ كونغ في تعزيز الرقمنة واعتماد الابتكار التكنولوجي في الوقاية من الفساد، وإجراء دراسات بحثية بالتعاون مع الأوساط الأكاديمية والتكنولوجية.

وهذا يتطلب من هيئة النزاهة العراقية الإسراع في إنشاء منصة رقمية موحدة لتلقي البلاغات ومتابعتها، وربط قواعد بياناتها بقواعد بيانات الدوائر الأخرى بشكل آمن، وتوظيف أدوات التحليل الذكي للكشف عن حالات التضارب والاختلاس قبل أن تستفحل. فلا يعقل أن تبقى الإجراءات يدوية، بينما الفساد يتحول إلى شبكات إلكترونية ومعاملات مصرفية معقدة وعابرة للحدود.

وهو ما يدفعنا أيضاً إلى الحديث عن ملف استرداد الأصول المنهوبة، الذي يمثل أحد أعقد التحديات وأكثرها إحباطاً للمواطن العراقي. ومع أن التقديرات العالمية تشير إلى أن التدفقات المالية غير المشروعة تمثل ما بين 2.5% و5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بما يفوق 2.2 تريليون دولار، فإن المضحك المبكي أن نسبة قليلة جداً من هذه الأصول تُضبط وتُجمّد، ونسبة أقل تُسترد فعلياً. وهذا يضع هيئة النزاهة أمام مسؤولية مضاعفة لتعزيز التعاون الدولي، وبناء قدرات كوادرها في المجالات المحاسبية والقانونية والمصرفية المتخصصة، والعمل عن كثب مع منظمات الأمم المتحدة والإنتربول، لسد الثغرات التي يستغلها الفاسدون في إخفاء أموالهم وتهريبها إلى خارج البلاد.

ولا يمكن بحال من الأحوال إغفال دور المجتمع المدني والمواطن العادي في معركة مكافحة الفساد، فالتجارب الدولية أثبتت أن الهيئات الراسخة تستثمر بكثافة في بناء الثقة مع المواطنين وتشجيعهم على الإبلاغ، وتوفير الحماية القانونية والنفسية للمبلغين، وتبسيط آليات التبليغ، وإطلاق قنوات تواصل تفاعلية سهلة الاستخدام.

ومع أن فلسطين ليست بالضرورة نموذجاً مثالياً، إلا أن ارتفاع عدد الشكاوى المرتبطة بالفساد من 3.1 شكوى لكل 100 ألف نسمة عام 2011 إلى 27.6 عام 2022، يعكس تحسناً ملموساً في استعداد المواطنين للإبلاغ، وهو ما يجب أن تسعى إليه هيئة النزاهة العراقية من خلال حملات توعوية مستدامة، وعقد شراكات حقيقية مع منظمات المجتمع المدني والأكاديميين والإعلاميين؛ لأن المواطن هو العين التي ترى واليد التي تشير، وهو الشريك الأساسي في كشف الفساد قبل أن يستفحل ويتحول إلى ظاهرة هيكلية يصعب علاجها.

وإذا كانت هيئة النزاهة تملك اليوم إطاراً قانونياً متقدماً وصلاحيات دستورية واسعة بموجب القانون رقم (30) لسنة 2011 المعدل، فإن الفجوة بين النص والتنفيذ ما زالت كبيرة، وما زالت الإرادة السياسية الداعمة والضمانات الحقيقية لاستقلالية الهيئة هي العامل الأهم في نجاحها أو فشلها. فمكافحة الفساد ليست مجرد عمل تقني أو إداري، بل هي إرادة سياسية قبل أي شيء آخر، وإذا تخلفت هذه الإرادة، فإن كل القوانين والتجارب والتقنيات تبقى حبراً على ورق، وإذا توفرت، فإن المعجزات تصبح ممكنة، كما أثبتت ذلك سنغافورة وهونغ كونغ وغيرهما من النماذج الناجحة.

خلاصة القول

إن تطوير هيئة النزاهة العراقية لا يحتاج إلى تعديل اسمها ولا إلى إعادة اختراع العجلة، بل يحتاج إلى وقفة جادة وصادقة مع النفس، وإلى استلهام الدروس والعبر من التجارب العالمية التي سبقتنا في هذا المضمار، وإلى تحويل مبدأ الاستقلالية من حبر على ورق إلى واقع معيش، وإلى الاستثمار الجاد في التكنولوجيا والوقاية والتثقيف والمشاركة المجتمعية، وإلى بناء جسور من الثقة بين الهيئة والمواطن، وأخيراً وليس آخراً، إلى إرادة سياسية صادقة تضع مكافحة الفساد في سلم أولوياتها الوطني، وليس فقط في خطاباتها الرسمية.

لأن الفساد ليس مجرد ظاهرة اقتصادية أو إدارية عابرة، بل هو مرض عضال يستنزف موارد الدولة، ويقوض ثقة المواطن، ويحرم الأجيال القادمة من مستقبل مشرق. ومكافحته تتطلب تضافر كل الجهود وتكامل كل الأدوار، من هيئة النزاهة إلى القضاء، إلى الحكومة، إلى المجتمع المدني، إلى المواطن البسيط.

فالنزاهة ليست مجرد اسم لهيئة، بل هي ثقافة ونهج حياة، ومسؤولية الجميع قبل أن تكون مسؤولية هيئة بعينها. وحان الوقت لأن ننتقل من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق الجاد، ومن ردود الفعل إلى الاستباقية الوقائية، ومن العمل المنفرد إلى العمل المؤسسي التكاملي؛ لأن الفساد كالنار، إذا لم تُخمدها في مهدها، أحرقت كل شيء في طريقها.

وهيئة النزاهة اليوم أمام اختبار حقيقي لإثبات أن تسميتها لم تأتِ عبثاً، وأنها قادرة بالفعل على ترجمة رسالتها النبيلة إلى أفعال ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة المواطن ومستقبل الوطن.