شبكة إنماز نيوز | محرر الشؤون الخاصة
من مشهد الدبابات في المنطقة الخضراء إلى فتح ملفات الفساد.. هل بدأت الحكومة والقضاء معركة إعادة ترتيب المشهد السياسي العراقي؟
لم تكن الساعات الأولى من «صولة الفجر» مجرد تحرك أمني عابر في المشهد العراقي؛ فالصورة التي ظهرت فيها الدبابات وسط المنطقة الخضراء حملت رسائل سياسية وأمنية أكبر من حدود الانتشار العسكري، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً طالما بقي حاضراً في العراق بعد عام 2003: هل تستطيع الدولة أن تفتح ملفات الفساد الكبرى، مهما كانت أسماء أصحابها ومواقعهم ونفوذهم؟
بالنسبة إلى كثير من المتابعين، فإن أخطر ما في هذه الحملة ليس عدد الملفات التي يمكن فتحها، ولا أسماء الأشخاص الذين قد تشملهم التحقيقات، وإنما الرسالة التي تحملها الدولة عندما تقول إن ملف الفساد لن يتوقف عند موظف صغير أو مسؤول من الدرجة الثانية، بل يمكن أن يصل إلى مستويات سياسية وإدارية عليا إذا توفرت الأدلة القانونية.
وهنا تحديداً تبدأ القصة التي تجعل من «صولة الفجر» كابوساً محتملاً لكبار المتورطين في ملفات الفساد.
الدبابات في قلب المنطقة الخضراء.. صورة تختصر مرحلة كاملة
لطالما كانت المنطقة الخضراء رمزاً للسلطة السياسية في العراق، ومكاناً تتجمع فيه مؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية ومراكز القرار.
ولهذا فإن ظهور الدبابات في هذا المكان لا يمكن النظر إليه باعتباره مشهداً عسكرياً فقط؛ فالصورة في السياسة أحياناً تكون أكثر بلاغة من البيانات الرسمية.
لقد بدت الرسالة وكأنها تقول إن الدولة التي ظلت لسنوات تواجه تحديات في فرض هيبتها داخل مراكز القرار، تريد هذه المرة أن تظهر بصورة مختلفة: دولة تملك أدوات القوة، وتستطيع استخدامها عندما يتعلق الأمر بحماية مؤسساتها وفرض القانون.
لكن السؤال الأكثر أهمية لم يكن: لماذا ظهرت الدبابات؟
بل:ًماذا سيحدث بعد أن تغادر الدبابات؟
فالاختبار الحقيقي لأي حملة ضد الفساد لا يكمن في الاستعراض الأمني، وإنما في قدرة الحكومة والقضاء على الانتقال من المشهد الأمني إلى الإجراءات القانونية، ومن العناوين الكبيرة إلى ملفات التحقيق والمحاكمات واسترداد الأموال العامة، وفق القانون والأدلة.
كبار المسؤولين أمام سؤال لم يكن مطروحاً بهذه القوة
خلال السنوات الماضية، اعتاد العراقيون على سماع عبارات من قبيل «فتح ملفات الفساد»، و«محاسبة الفاسدين»، و«استرداد الأموال»، لكن المشكلة كانت دائماً في السؤال التالي: من هو الفاسد الذي يمكن الوصول إليه؟
فمكافحة الفساد تصبح سهلة عندما يتعلق الأمر بشخص لا يمتلك حماية سياسية أو نفوذاً مؤثراً، لكنها تصبح اختباراً حقيقياً عندما تقترب من شخصيات تمتلك تاريخاً سياسياً طويلاً، أو علاقات واسعة، أو تأثيراً داخل مؤسسات الدولة والأحزاب.
ولهذا، فإن ما يجعل هذه الحملة مختلفة ــ إذا استمرت بالوتيرة نفسها ــ هو أنها قد تضع عدداً من الشخصيات النافذة أمام حقيقة جديدة:
لم يعد الموقع السياسي ضمانة كافية لعدم المساءلة.
وهنا تتحول الحملة من مجرد إجراء حكومي إلى اختبار فعلي لقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع.
ماذا لو سار علي الزيدي بجميع ملفات الفساد على وتيرة واحدة؟
السؤال الأكثر إثارة في المرحلة المقبلة يتعلق برئيس الوزراء علي الزيدي: ماذا لو قرر الاستمرار في التعامل مع ملفات الفساد وفق معيار واحد، دون تمييز بين أسماء قديمة وأخرى جديدة، أو بين شخصيات ذات نفوذ وشخصيات بلا نفوذ؟
ماذا لو أصبح المعيار هو الملف والدليل والقانون وليس الانتماء السياسي أو حجم التأثير؟
عندها لن تكون القضية مجرد حملة لمكافحة الفساد، بل قد تتحول إلى عملية واسعة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة السياسية ومؤسسات الدولة.
فالشخصيات التي صنعت جزءاً كبيراً من المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003 قد تجد نفسها أمام مرحلة غير مألوفة: مرحلة يصبح فيها الماضي السياسي الطويل غير كافٍ لحماية صاحب القرار إذا وُجدت أدلة تستوجب التحقيق والمساءلة.
وهنا يمكن أن تظهر معادلة شديدة الحساسية.
فمن جهة، قد يرى مؤيدو الحملة أن ما يحدث يمثل تصحيحاً متأخراً لمسار الدولة، وأن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تستثني أحداً.
ومن جهة أخرى، قد يعتبر بعض المتضررين منها أن فتح ملفات قديمة بهذه الطريقة يمثل محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي وإقصاء شخصيات لعبت أدواراً محورية خلال السنوات التي أعقبت 2003.
وبين التفسيرين، يبقى الفيصل الحقيقي هو القضاء المستقل والإجراءات القانونية الشفافة.
هل نحن أمام تصفية سياسية أم معركة قانونية؟
هذه هي العقدة الأساسية.
فالفساد في العراق لم يكن في كثير من الأحيان منفصلاً عن السياسة، ولذلك فإن فتح ملف مالي ضد شخصية سياسية بارزة قد يتحول تلقائياً إلى قضية سياسية في نظر أنصارها وخصومها.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين المحاسبة القانونية والتصفية السياسية.
إذا كانت الملفات تستند إلى أدلة واضحة، وتمر عبر القضاء، ويحصل المتهم على حق الدفاع، وتُطبق الإجراءات على الجميع دون انتقائية، فإن الأمر يصبح أقرب إلى مسار قانوني طبيعي لمكافحة الفساد.
أما إذا جرى استخدام ملفات الفساد بصورة انتقائية ضد الخصوم، مع تجاهل ملفات مماثلة تخص حلفاء السلطة، فإن الحملة قد تفقد أهم عنصر تحتاجه: المصداقية.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للحملة هو أن تتحول من «معركة ضد الفساد» إلى «معركة بين مراكز النفوذ».
بداية قد لا تنتهي على خير.. إذا لم تُضبط قواعد اللعبة، قد تكون «صولة الفجر» بداية لمرحلة جديدة، لكنها أيضاً قد تكون بداية لمسار بالغ الحساسية.
ففتح ملفات الفساد الكبرى يعني بالضرورة الاقتراب من مصالح متشابكة، بعضها مالي وبعضها سياسي وبعضها إداري.
والاقتراب من هذه المصالح لن يكون سهلاً.
قد تظهر حملات إعلامية مضادة، وقد تبدأ محاولات لتشويه صورة الحملة، وقد تُطرح روايات تتحدث عن استهداف سياسي أو تصفية حسابات، وقد تتحرك قوى متضررة للدفاع عن شخصياتها ومواقعها.
وهنا يصبح أمام الحكومة خياران:
إما أن تتراجع عندما تصل الملفات إلى الأسماء الثقيلة، فتعود الدولة إلى المعادلة القديمة التي تقول إن المحاسبة تبدأ بالصغار وتتوقف عند الكبار.
وإما أن تستمر، ولكن وفق مسار قانوني واضح، وقواعد واحدة للجميع، وإجراءات قضائية لا تخضع للضغط السياسي.
الخيار الثاني هو الأصعب، لكنه وحده القادر على تحويل «صولة الفجر» من حدث عابر إلى نقطة تحول في تاريخ الدولة العراقية.
الكابوس الحقيقي ليس الاعتقال.. بل سقوط الحصانة السياسية
ربما لا يكون الكابوس الحقيقي بالنسبة إلى كبار المتورطين في ملفات الفساد هو مجرد فتح تحقيق أو استدعاء أو حتى محاكمة.
الكابوس الأكبر هو أن تتغير القاعدة التي حكمت المشهد سنوات طويلة:
أن يصبح النفوذ السياسي عاجزاً عن إيقاف الملف القانوني.
عندها فقط ستبدأ منظومة المصالح القديمة بالشعور بالخطر الحقيقي.
لأن الدولة عندما تثبت أن الملف يمكن أن يصل إلى أي شخص، فإنها لا تحاسب فرداً فقط، بل تغيّر سلوك الآخرين أيضاً.
الموظف الذي كان يعتقد أن حماية المسؤول ستنقذه سيعيد حساباته.
والمسؤول الذي كان يعتقد أن علاقاته السياسية توفر له الحماية سيعيد حساباته.
والجهة التي كانت تتعامل مع المال العام باعتباره مساحة مفتوحة للمناورة ستجد نفسها أمام احتمال مختلف.
وهذا هو جوهر الردع.
ولكن.. لا يكفي أن تبدأ الحرب
التاريخ السياسي العراقي بعد 2003 مليء بالحملات والعناوين والوعود.
المشكلة لم تكن دائماً في بداية الحملة، وإنما في نهايتها.
كم ملفاً فُتح ثم أُغلق؟
كم قضية تصدرت المشهد الإعلامي ثم اختفت؟
وكم شخصية اتُّهمت ثم لم يعرف العراقيون ماذا حدث في ملفها بعد أشهر أو سنوات؟
لذلك فإن نجاح «صولة الفجر» لن يقاس بعدد الدبابات التي ظهرت في المنطقة الخضراء، ولا بعدد الأسماء التي ستظهر في الأخبار، وإنما بعدد الملفات التي تصل إلى نهايتها القانونية.
تحقيق، ثم قضاء، ثم حكم، ثم استرداد المال العام.
هذه هي السلسلة التي تجعل مكافحة الفساد دولةً لا حملة.
إذا استمرت الوتيرة.. فالمشهد السياسي نفسه قد يتغير
لو نجحت حكومة علي الزيدي في الحفاظ على وتيرة متوازنة في التعامل مع ملفات الفساد، فإن التأثير لن يقتصر على الجانب المالي.
قد نشهد تغيراً في الخريطة السياسية نفسها.
فالشخصيات التي بنت نفوذها على أساس السلطة والمال والعلاقات قد تخسر جزءاً من قدرتها على التأثير.
وفي المقابل، قد تبرز قوى سياسية جديدة تقدم نفسها باعتبارها أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة وأقل اعتماداً على شبكات النفوذ التقليدية.
لكن هذا التحول لا يمكن أن يكون سليماً إذا لم يكن قائماً على القانون.
فالعراق لا يحتاج إلى تصفية جيل سياسي لصالح جيل آخر بقدر حاجته إلى بناء قاعدة تقول إن الجميع متساوون أمام الدولة.
النهاية ليست في «صولة الفجر».. بل فيما بعدها
قد تكون الدبابات التي توسطت المنطقة الخضراء مجرد صورة من صور مرحلة أمنية عابرة.
وقد تكون، في الوقت نفسه، صورة رمزية لبداية مرحلة مختلفة.
لكن الصورة وحدها لا تصنع دولة.
والخطاب السياسي وحده لا يحارب الفساد.
والاتهام وحده لا يصنع إدانة.
الذي يصنع الفارق هو أن تتحول الحملة إلى مسار مؤسساتي مستمر لا يتغير بتغير الأسماء والضغوط والاصطفافات.
فإذا استطاعت الحكومة والقضاء أن يثبتا أن الملفات ستُفتح بالمعايير نفسها، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن المدان سيواجه القانون مهما كان موقعه، فقد تكون «صولة الفجر» واحدة من اللحظات النادرة التي تنتقل فيها الدولة العراقية من الحديث عن مكافحة الفساد إلى ممارسة حقيقية لها.
أما إذا توقفت الحملة عند حدود الاستعراض، أو تحولت إلى انتقائية سياسية، فإنها ستضيف فصلاً جديداً إلى تاريخ طويل من الحملات التي بدأت بصوت مرتفع وانتهت بصمت.
ولهذا، فإن البداية قد تكون قوية.. لكن النهاية هي التي ستحدد إن كانت «صولة الفجر» معركة دولة ضد الفساد، أم مجرد جولة جديدة في صراع النفوذ.
وفي كل الأحوال، يبدو أن الرسالة وصلت إلى الجميع: زمن الحصانة السياسية المطلقة ــ إن كان قد انتهى فعلاً ــ لن يكون من السهل أن يعود كما كان.

