محمود جمال | كاتب مصرفي عراقي
الأحداث الأخيرة تبرهن رياضيًا وعمليًا أن النماذج المصرفية القائمة على الانفتاح الدولي والتقييم العادل للأصول هي التي تصمد أمام دورات السوق المتقلبة وتدقيق الجهات الرقابية، في حين أن النماذج (الانعزالية) التي تفتقر إلى شبكة امتثال دولية باتت تحمل مخاطر منهجية مرتفعة.
قرار البنك المركزي العراقي الأخير بفرض الوصاية على (مصرف الطيف الإسلامي) يؤكد واقعًا أساسيًا في القطاع المصرفي يتمثل في الفجوة الشاسعة بين المصارف المحلية المعزولة وتلك المرتبطة بشراكات استراتيجية خارجية. الشائعات ومحاولات التسقيط التي استهدفت المصارف المندمجة سابقًا كانت تتجاهل معايير التحليل الأساسي والامتثال الدولي التي تتحكم اليوم بمسار السوق العراقي وتحدد الجدارة الائتمانية الفعلية.
يمكن تصنيف (الجهات) والأصوات التي حاربت المصارف ذات الشراكات الخارجية وحاولت تسقيطها سابقًا ضمن فئات تعكس دوافع متباينة، تتراوح بين الجهل بالتحليل الأساسي وتضارب المصالح.
💥 المتضررون من الحوكمة والامتثال: هذه الفئة هي المستفيد الأكبر من بيئة العمل العشوائية وغياب الرقابة الصارمة. 💥
تطبيق المصارف المندمجة لمعايير الامتثال الدولية وقواعد مكافحة غسل الأموال أغلق الأبواب أمام التحويلات غير الموثقة والعمليات المالية المشبوهة. هذا الالتزام الصارم جعل تلك الجهات تعتبر الحوكمة تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فلجأت إلى حملات التشويه المنظمة.
المضاربون العشوائيون في السوق: في بيئة تتأثر سريعًا بالشائعات، يعمد بعض المضاربين إلى خلق حالة من الخوف والشك لدفع صغار المستثمرين إلى التخلي عن مراكزهم بخسارة. هؤلاء تجاهلوا عمدًا قراءة القوائم المالية، ونسب نمو الأرباح التشغيلية، والقيمة الدفترية الحقيقية لهذه الكيانات، مفضلين استغلال الضجيج المفتعل بدلًا من تبني استراتيجيات استثمار مبنية على تقييم الأصول والقيمة.
أصحاب الشعارات العاطفية: بعض الأصوات انطلقت من نظرة شعبوية، واصفة الشراكات المالية الإقليمية والدولية بأنها “هيمنة أجنبية” أو “تهريب للعملة”. هذا الطرح يفتقر تمامًا إلى الرؤية الاقتصادية الكلية، ويتجاهل حقيقة أن الاندماج العالمي يجلب التكنولوجيا المالية، وشبكات بنوك المراسلة الرصينة، والسيولة التي تمنع الانهيارات النظامية.
المنافسون التقليديون متواضعو الأداء: إدارات بعض المصارف المحلية التي عجزت عن تحديث بنيتها التحتية أو بناء خطوط ثقة دولية وجدت في التسقيط أداة أسهل من تطوير الذات. الفجوة الشاسعة في جودة الخدمات، وكفاءة الإدارة، والقدرة على استيعاب الصدمات كشفت عجز هذه الكيانات، فكان الهجوم الإعلامي وسيلتها الوحيدة لتغطية ضعف ميزانياتها.
الواقع المالي اليوم أثبت بوضوح أن لغة الأرقام والميزانيات العمومية لا تكذب، وأن التحليل الأساسي السليم والتخندق مع الكيانات الممتثلة هو الذي ينتصر دائمًا على ضجيج الشائعات وافتعال الأزمات.

