حكومة الأزمات .. حين يصبح المواطن فاتورة السلطة!

علي قاسم | كاتب سياسي عراقي

بعد أكثر من مئة يوم على تشكيل حكومة علي الزيدي. يبدو أن العراق لم يدخل بعد مرحلة البحث عن حلول بقدر ما دخل مرحلة جديدة من إدارة الأزمات. الكهرباء في صيف قاس. الرواتب والمعاشات تحت ضغط التمويل. الخدمات عاجزة عن مواكبة حاجات المدن. أزمة المشتقات النفطية مستمرة. الأسواق تزداد كلفة على المواطن. والاشتباك السياسي يتسع ليشمل قوى تمتلك حضورًا عسكريًا وشعبيًا داخل الدولة والمجتمع.

قد تكون هذه الصورة قاسية. لكنها تستحق أن تقرأ بعيدًا عن الخطاب الإعلامي الذي يرافق أداء الحكومة. فالسلطة تقاس في النهاية بما يراه المواطن في حياته اليومية. الكهرباء التي تصل إلى منزله. الراتب الذي يحصل عليه في موعده. سعر الغذاء في السوق. توفر الوقود. مستوى الخدمات. وشعوره بأن الدولة تتحرك وفق خطة واضحة لا وفق ردود أفعال متلاحقة.

الحكومة الحالية لم تبدأ من أرض مستقرة. لقد ورثت اقتصادًا مثقلًا بالاختلالات. ومؤسسات تعاني من تراكمات طويلة. وبنية خدمية تحتاج إلى استثمارات كبيرة. ومالية عامة مرتبطة بدرجة عالية بإيرادات النفط. كما ورثت شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية التي تشكلت خلال أكثر من عقدين.

لكن الاعتراف بثقل الإرث لا يعفي من المسؤولية. رئيس الحكومة الذي يقبل الجلوس في مقدمة المشهد يقبل معه كلفة هذا المشهد. المواطن لا يدفع فاتورة الحكومات السابقة فقط. إنه يدفع أيضًا ثمن القرارات التي تتخذها الحكومة التي تحكمه اليوم.

وهنا تظهر المسألة التي يصعب تجاوزها. هل تمتلك حكومة الزيدي تصورًا اقتصاديًا وسياسيًا متكاملًا لإخراج العراق من أزماته. أم أنها تتعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا يحتاج إلى إجراء مؤقت.

أزمة الكهرباء مثلًا لا يمكن النظر إليها باعتبارها مشكلة فنية فقط. إنها انعكاس لطريقة التخطيط والاستثمار وإدارة الموارد. وأزمة الرواتب لا تنفصل عن المالية العامة ولا عن اعتماد الاقتصاد على النفط. وارتفاع الأسعار لا ينفصل عن ضعف الإنتاج المحلي وكلفة الاستيراد وحالة السوق. وعندما تظهر هذه الملفات في وقت واحد. يصبح من الصعب اعتبارها مجموعة من الحوادث المنفصلة.

المشكلة إذن أعمق من انقطاع الكهرباء أو ارتفاع سعر سلعة أو تأخر راتب. إنها تتعلق بقدرة الدولة على منع الأزمة قبل وقوعها. وعلى معالجة أسبابها بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.

الصيف القاسي جعل أزمة الكهرباء أكثر وضوحًا. لكن المواطن الذي يقضي ساعات طويلة من دون كهرباء لا يعنيه حجم البيانات التي تصدرها الوزارات. هو يريد نتيجة. والأمر ذاته ينطبق على الوقود والخدمات. فالدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها. وإنما بما يصل منها إلى حياة الناس.

الراتب أيضًا ليس رقمًا في جدول الموازنة. إنه مصدر الدخل الأساسي لملايين العراقيين. وعندما تصبح الدولة منشغلة بتأمين الرواتب والمعاشات. فإن القلق ينتقل مباشرة إلى الأسر والأسواق. ومع ارتفاع تكاليف الحياة يصبح الدخل أقل قدرة على مواجهة الاحتياجات اليومية.

وهنا يصبح المواطن الحلقة الأضعف في المعادلة. فهو يتحمل كلفة التضخم. وارتفاع الخدمات. وتراجع القوة الشرائية. وأعباء التعليم والصحة والنقل والسكن. بينما يبقى الحديث السياسي في كثير من الأحيان منشغلًا بالصراع على النفوذ والمواقع والملفات التي لا تغير كثيرًا من تفاصيل حياته اليومية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع. محاربة الفساد قضية أساسية. لكن إعلان الحرب على الفساد لا يكفي. ما يهم المواطن هو أثرها في العقود والإنفاق والخدمات واسترداد المال العام. عندما تصبح اللغة السياسية أكبر من النتائج. تتحول مكافحة الفساد من مشروع لإصلاح الدولة إلى أداة من أدوات الصورة الإعلامية.

وتزداد حساسية المشهد عندما تدخل الحكومة في مواجهة سياسية مع الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. فهذا الملف ليس قضية أمنية مجردة. إنه يرتبط بتاريخ الصراع مع الإرهاب. وببنية الدولة الأمنية. وبعلاقات العراق الإقليمية. وبالتوازنات السياسية الداخلية.

العراق يحتاج إلى دولة يكون فيها قرار الحرب والسلم منظمًا ضمن مؤسساتها. وهذه مسألة يمكن مناقشتها على أساس قانوني وسياسي. لكن نجاح أي مقاربة يحتاج إلى رؤية عراقية لا تجعل ملف السلاح يطغى على كل ما عداه. لأن الدولة التي تبحث عن معالجة سلاح خارج مؤسساتها بينما تعجز عن توفير الكهرباء والرواتب والخدمات. ستواجه سؤالًا أكبر عن قدرتها على بناء البديل الذي يجعل مؤسساتها أكثر قوة وجاذبية.

وهنا يدخل العامل الأمريكي في الحساب. التقارب مع واشنطن يمكن أن يحقق للعراق فوائد سياسية وأمنية واقتصادية إذا جرى توظيفه بما يخدم المصالح العراقية. لكن قيمة العلاقات الخارجية لا تقاس بدرجة القرب من هذه العاصمة أو تلك. وإنما بما تنتجه من نتائج داخل العراق.

إذا كان التقارب مع الولايات المتحدة لم ينعكس حتى الآن على الأزمات التي يعيشها المواطن. فإن السؤال يصبح مشروعًا حول طبيعة الأولويات. وإذا كان ملف الفصائل هو القضية الأكثر حضورًا في الحسابات الأمريكية. فإن الحكومة مطالبة بأن تثبت أن جدول أعمالها يبدأ من احتياجات العراق وليس من الملفات التي يريد الخارج أن يضعها في مقدمة المشهد.

هذه ليست دعوة إلى تجاهل ملف السلاح. إنها دعوة إلى وضعه ضمن مشروع دولة كامل. اقتصاد أقوى. مؤسسات أكثر كفاءة. خدمات مستقرة. وقانون قادر على فرض نفسه على الجميع. عندها يصبح النقاش حول السلاح جزءًا من بناء الدولة. وليس ملفًا منفصلًا عنها.

العراق اليوم بحاجة إلى حكومة تتقن الخروج من الأزمات لا إدارتها فقط. حكومة تمتلك خططًا واضحة وأولويات محددة. حكومة تبدأ بالمواطن وتتعامل مع الفقر وتراجع القوة الشرائية باعتبارهما قضية استقرار وطني. حكومة لا تنتظر الأزمة حتى تقع ثم تبحث عن مخرج مؤقت. وإنما تعمل على قطع جذورها ومنع تكرارها.

وهذا يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير قبل أن يكون تغييرًا في أسماء الوزراء. العراق يحتاج إلى خبراء يمتلكون تجربة حقيقية. وإلى إدارة عامة تقوم على الكفاءة والمحاسبة. وإلى مشروع اقتصادي يحرر الدولة تدريجيًا من هشاشة الاعتماد على النفط. وإلى فصل أكثر وضوحًا بين القرار السياسي والإدارة الاقتصادية.

وربما يكون العراق بحاجة إلى تجربة سياسية أكثر جرأة. تشكيل حكومة خبراء تتمتع بمساحة كافية للعمل بعيدًا عن المحاصصة والمساومات الحزبية. ويمكن أن يطرح ضمن هذا المسار تجميد عمل مجلس النواب والمجالس الأخرى لفترة انتقالية محددة. ليس بوصفه إلغاءً للحياة السياسية. وإنما كترتيب استثنائي يمنح الحكومة فرصة لبناء مشروع إنقاذ وطني بعيدًا عن ضغط المصالح الحزبية. على أن يكون أي إجراء من هذا النوع محكومًا بالدستور وبموافقة الشعب وبمدة زمنية واضحة لا تسمح بتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم.

الفكرة هنا ليست البحث عن حكومة أقوى على حساب المؤسسات. وإنما البحث عن مؤسسات أقوى من الأشخاص والأحزاب. ولهذا يجب أن يكون القضاء حاضرًا بوصفه الضامن القانوني للمرحلة الانتقالية. وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار حكومة الخبراء. وبرنامج معلن يمكن للمواطن مراقبته ومحاسبة القائمين عليه.

العراق لا يحتاج إلى سلطة جديدة تكرر الأدوات القديمة. يحتاج إلى نموذج مختلف في إدارة الدولة. نموذج يستفيد من تجارب دول استطاعت الانتقال من مراحل الانهيار أو الاختناق إلى بناء مؤسسات أكثر كفاءة. مع إدراك أن العراق يمتلك ظروفه الخاصة ولا يستطيع استنساخ تجربة أي دولة أخرى.

بعد أكثر من مئة يوم. لا تزال الصورة التي تصل إلى المواطن مثقلة بالأزمات. وقد يكون من الظلم تحميل حكومة الزيدي وحدها كل ما صنعته السنوات السابقة. لكنها عندما قبلت أن تكون في مقدمة المشهد. أصبحت مسؤولة عن اتجاهه. ولم يعد كافيًا أن تشير إلى ما ورثته. فالناس يحاكمون الحكومات بما تفعل بعد وصولها إلى السلطة.

قد تنجح الحكومة في تجاوز أزمة مؤقتة. وقد تستطيع تهدئة أزمة أخرى. لكن معيار النجاح الحقيقي هو قدرتها على تغيير المسار. فإذا بقيت الأزمات تنتقل من ملف إلى آخر. وإذا ظل المواطن يتحمل كلفة التخبط السياسي والاقتصادي. فإن المشكلة ستصبح أكبر من أداء حكومة واحدة.

في تقديري. العراق وصل إلى نقطة لم يعد فيها إصلاح بعض التفاصيل كافيًا. ما يحتاجه هو مراجعة حقيقية للطريقة التي تأسست بها الدولة السياسية والاقتصادية بعد عام 2003. مراجعة تعيد تعريف العلاقة بين السياسة والاقتصاد. وبين الدولة والقوى السياسية. وبين السلطة والمواطن. وتبحث عن نموذج يجعل الكفاءة معيارًا للحكم لا الولاء السياسي.

والأخطر أن يتحول ملف واحد إلى معيار نجاح الحكومة. فإذا كان ملف فصائل المقاومة هو القضية التي تحظى بالأولوية في الحسابات الأمريكية. بينما يعيش المواطن أزمة كهرباء ورواتب وأسعار وخدمات. فإن السؤال سيبقى حاضرًا. هل جاءت الحكومة لمعالجة أزمات العراق. أم أن العراق أصبح ساحة لمعالجة ملفات الآخرين.

الدولة لا تُقاس فقط بما تستطيع أن تواجهه. وإنما بما تستطيع أن تبنيه. والسيادة لا تظهر فقط في المواقف السياسية. وإنما في قدرة الدولة على توفير الكهرباء والراتب والوقود والعمل والخدمات.

وربما يكون عنوان المرحلة المقبلة قد كتب بالفعل. فإذا استمرت الحكومة في إدارة الأزمات بدل قطع جذورها. فإن الكتاب سيبقى واضحًا من عنوانه. سلطة تتحرك داخل الأزمات. ومواطن يدفع ثمنها. ودولة تؤجل مشروع الخروج منها من عام إلى آخر.

أما العراق. فإنه لا يحتاج إلى مزيد من التأجيل. يحتاج إلى لحظة سياسية تعيد ترتيب الأولويات. وتضع المواطن في مقدمة الحساب. وتنتقل بالدولة من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول.