«الطيف» يهز ثقة العراقيين.. فهل تعود المدخرات إلى البيوت بعد أن غادرتها؟

شبكة إنماز نيوز | محرر الشؤون الاقتصادية

لم تعد أزمة مصرف الطيف الإسلامي مجرد ملف مصرفي يتعلق بمصرف واحد، أو بقرار رقابي اتخذه البنك المركزي العراقي، بعدما تحولت القضية خلال أيام قليلة إلى سؤال أكبر يمس العلاقة بين العراقيين والجهاز المصرفي: أين يضع المواطن أمواله عندما تهتز ثقته بالمصارف؟

في الثاني من أيلول/سبتمبر الجاري، قرر البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي للاستثمار والتمويل، معلناً أن القرار جاء بعد ثبوت «مخالفات جسيمة أثرت على المركز المالي للمصرف وأموال المودعين». القرار لم يكن إعلاناً بإفلاس المصرف، بحسب التوضيحات اللاحقة للبنك المركزي، لكنه نقل إدارة المصرف إلى إطار الوصاية الرقابية، في خطوة تستهدف معالجة أوضاعه وحماية حقوق المودعين. (البنك المركزي⁠)

وبعد القرار، دخلت القضية مرحلة أكثر حساسية مع تجمع مودعين أمام فروع للمصرف، بينهم مواطنون وموظفون موطنة رواتبهم، وسط شكاوى من تعذر سحب الأموال وتعطل بعض البطاقات والخدمات الإلكترونية. وفي البصرة، شهد فرع التنومة احتجاجاً لمودعين طالبوا بالوصول إلى أموالهم. (شبكة 964⁠)

في المقابل، حاول البنك المركزي احتواء المخاوف، مؤكداً أن الوصاية لا تعني الإفلاس وأن أموال المودعين محمية بموجب القانون، وأن المصارف العراقية تتمتع بمستويات كافية من السيولة. (Ultra Iraq⁠)

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في مصير ودائع مصرف الطيف، وإنما في الثقة المصرفية التي كانت أصلاً ضعيفة في العراق.

أموال ضخمة خارج الجهاز المصرفي

الأرقام الرسمية والتقديرات الحكومية تكشف أن العراقيين يحتفظون بكتلة نقدية ضخمة خارج المصارف.

المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، قال في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية إن نحو 87% من الكتلة النقدية العراقية، أي قرابة 95 تريليون دينار من أصل 109 تريليونات دينار، موجودة خارج النظام المصرفي. واعتبر أن بقاء هذه الأموال خارج المصارف يعطل جزءاً مهماً من الثروة الوطنية عن المشاركة الفعالة في الاقتصاد. (شبكة 964⁠)

وفي تصريحات أخرى، تحدث صالح عن نسبة تصل إلى 80–90% من الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي، معتبراً أن الظاهرة تاريخية وليست وليدة أزمة مصرفية حديثة. (Rudaw⁠)

لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فليس كل دينار موجود خارج المصارف مخزوناً في خزائن المنازل. فالأموال خارج الجهاز المصرفي تشمل أيضاً النقد المستخدم في التجارة، وشراء العقارات، ودفع الأجور وتسوية التعاملات اليومية.

وفي أحدث تقدير منشور خلال آب/أغسطس 2026، أشار المدير العام السابق في البنك المركزي العراقي محمود داغر إلى أن الإصدار النقدي يبلغ نحو 105 تريليونات دينار، يوجد منها قرابة 8 تريليونات داخل الجهاز المصرفي مقابل نحو 97 تريليون دينار خارجه.

وبيّن أن نحو ثلثي الأموال الموجودة خارج المصارف تُستخدم في المعاملات النقدية، بينما قد يمثل الاكتناز نحو ربع الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي. (شفق نيوز..⁠)

وهذا التفريق مهم؛ لأن وصف كامل مبلغ الـ97 تريليون دينار بأنه «أموال مكتنزة في المنازل» سيكون غير دقيق اقتصادياً.

لماذا يخاف العراقي من المصرف؟

العلاقة بين المواطن والمصرف في العراق لم تُبنَ على الثقة وحدها، بل تراكمت عليها سنوات من التجارب المرتبطة بالتضخم، وتقلب سعر الصرف، والأزمات المصرفية، والعقوبات التي طالت عدداً من المصارف، إضافة إلى ضعف الخدمات المصرفية مقارنة بحجم الاقتصاد النقدي.

لذلك، يفضل قسم من المواطنين الاحتفاظ بالنقد في المنزل باعتباره مالاً «تحت اليد»، يمكن الوصول إليه في أي لحظة، بدلاً من وضعه في حساب مصرفي يخشى صاحبه أن يتعذر عليه سحب أمواله عند حدوث أزمة.

وهنا تأتي مفارقة الطيف: في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة والبنك المركزي منذ سنوات على جذب الأموال المكتنزة إلى الجهاز المصرفي، جاءت أزمة مصرفية جديدة لتطرح السؤال المعاكس: ماذا لو قرر المواطن إعادة أمواله إلى المنزل؟

البنك المركزي نفسه كان قد تناول ظاهرة الاكتناز بوصفها إمساكاً بالنقود وحبساً لها عن التداول، مؤكداً أن الأموال التي تبقى خارج دورة الجهاز المالي لا تؤدي الدور الذي يمكن أن تؤديه في تمويل الاقتصاد. (البنك المركزي⁠)

«المصرف ليس خزنة.. بل محرك للاقتصاد»

اقتصادياً، وجود الأموال في المنزل يمنح صاحبها إحساساً بالأمان والسيطرة، لكنه يحرم الاقتصاد من جزء من قوة التمويل.

فعندما يودع المواطن أمواله في مصرف سليم، تتحول الودائع إلى جزء من دورة الوساطة المالية؛ إذ يمكن للمصارف توظيف جزء منها في تمويل المشاريع والقروض والاستثمارات، وفق القواعد الرقابية.

أما عندما تتحول المدخرات إلى سيولة مكتنزة في المنازل، فإنها تصبح خارج دورة الائتمان.

وهذا ما أشار إليه مظهر محمد صالح في أكثر من مناسبة، إذ اعتبر أن الاكتناز يجمّد السيولة ويحد من قدرة الاقتصاد على تحويل المدخرات إلى استثمارات، داعياً إلى تطوير الدفع الإلكتروني والحسابات المصرفية لإعادة الأموال إلى الدورة الاقتصادية. (الجزيرة نت⁠)

بين «أمان البيت» و«أمان المصرف»

المفارقة أن المواطن العراقي قد يجد نفسه أمام خيارين كلاهما يحمل مخاطرة.

النقد في المنزل معرض للسرقة أو الضياع أو فقدان قيمته الحقيقية بفعل التضخم، ولا يحقق عائداً ولا يدخل في دورة تمويلية.

أما النقد في المصرف فيمنح صاحبه سجلاً مصرفياً وخدمات مالية وإمكانية استخدام وسائل الدفع والتمويل، لكنه يحتاج إلى الثقة بسلامة المصرف، وقوة الرقابة، وسرعة الوصول إلى الأموال عند الحاجة.

ومن هنا، فإن أزمة الطيف لا ينبغي أن تتحول إلى رسالة تدفع العراقيين إلى اكتناز أموالهم في المنازل، بقدر ما ينبغي أن تكون اختباراً لقدرة النظام المصرفي على إثبات أن المصرف أكثر أماناً وكفاءة من الخزنة المنزلية.

«الطيف» ليس نهاية القصة

قرار الوصاية على مصرف الطيف يمثل حالة مصرفية محددة، ولا يعني أن جميع المصارف العراقية تواجه المصير نفسه. بل إن البنك المركزي أكد صراحة أن الوصاية ليست إعلان إفلاس، وأن أموال المودعين محمية. (Ultra Iraq⁠)

لكن التداعيات النفسية والاقتصادية للقضية أكبر من القرار نفسه.

فكل مودع يسأل اليوم: ماذا سيحدث لأموالي إذا تعثر المصرف؟

وكل مواطن يحتفظ بمدخراته في منزله قد يسأل السؤال المقابل: هل أصبح البيت أكثر أماناً من المصرف؟

وبين السؤالين تتحدد واحدة من أهم معارك الإصلاح المالي في العراق: إعادة بناء الثقة.

فالقطاع المصرفي لا يستطيع جذب عشرات التريليونات الموجودة خارج الجهاز المصرفي عبر القرارات الإدارية وحدها، ولا يمكن إجبار المواطن على تحويل مدخراته إلى مصرف لا يثق به.

الحل يبدأ من رقابة أكثر صرامة، وشفافية أعلى، وإدارة مصرفية مهنية، وضمان فعلي وسريع لحقوق المودعين، وخدمات إلكترونية موثوقة، وإفصاح واضح عن المخاطر والمخالفات.

الثقة هي رأس المال الحقيقي

العراق يمتلك كتلة نقدية ضخمة خارج النظام المصرفي؛ وتقديرات مظهر محمد صالح السابقة وضعت الأموال الموجودة خارج النظام عند نحو 95 تريليون دينار، فيما تشير تقديرات أحدث إلى نحو 97 تريليون دينار خارج الجهاز المصرفي، مع التأكيد أن هذه الأموال ليست كلها مكتنزة في المنازل. (شبكة 964⁠)

وهذه الأرقام تكشف حجم الفرصة وحجم المشكلة في آن واحد.

إذا استطاع القطاع المصرفي استعادة جزء من هذه الأموال، فإنها يمكن أن تتحول من سيولة خاملة أو معاملات نقدية إلى ودائع وتمويل وائتمان واستثمار.

أما إذا تراجعت الثقة، فقد يحدث العكس تماماً: مزيد من السحب، ومزيد من النقد خارج المصارف، ومزيد من الاعتماد على التعاملات المباشرة، وهو ما يضعف الوساطة المالية ويزيد الاقتصاد غير الرسمي.

وإن أزمة مصرف الطيف لا تختبر قدرة مصرف واحد على تجاوز الوصاية فحسب؛ بل تختبر قدرة النظام المصرفي العراقي على إقناع المواطن بأن أمواله ستكون أكثر أماناً عندما تدخل المصرف، لا عندما تختبئ في منزله.

فإذا نجح القطاع المصرفي في هذا الاختبار، يمكن أن تتحول التريليونات المكتنزة إلى قوة تمويلية هائلة.

أما إذا فشل، فقد لا تكون المشكلة في كمية الأموال الموجودة لدى العراقيين، بل في المكان الذي يختارون الاحتفاظ بها فيه.