د. معراج الحديدي | عضو اكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد
سياسة الترحيل التي تنتهجها السلطات واحدةٌ من أكثر الإخفاقات التي تواجه الحكومات المتعاقبة؛ فما من ملفٍّ يُطرَح في حكومةٍ سابقة إلا وعاد الملفّ نفسه في الحكومة اللاحقة، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ لا تُحصى.
فالكهرباء لا يخلو منها منهاجٌ حكومي، ومكافحة الفساد شعارٌ تتبناه كل حكومة، وتنويع الاقتصاد دون الاعتماد على النفط شماعة كل تشكيلة جديدة. كل ذلك حقائق مثبتة في المنهاج الحكومي لكل حكومة متعاقبة، مما يجعل فكرة الترحيل أو التأجيل سُنّةً سيئة سارت عليها جميع الحكومات.
ولا يمكن الحديث عن سياسة التأجيل في العراق دون التوقف عند ملف استكمال الكابينة الوزارية؛ فالحكومة التي تبدأ عملها وهي غير مكتملة قد تواجه منذ اليوم الأول مشكلةً في توزيع المسؤوليات وتنفيذ المنهاج الحكومي. وكلما طال أمد شغور الوزارات أو تأخر حسم المناصب، تحولت الدولة إلى إدارة مؤقتة تنتظر التوافق السياسي بدلاً من الانطلاق نحو تنفيذ برامجها.
إن تأخير استكمال الكابينة الوزارية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خلافٍ على الأسماء أو المناصب، إنما هو انعكاسٌ لمشكلةٍ أعمق تتعلق بطبيعة إدارة السلطة في العراق. فعندما تصبح المناصب الوزارية جزءاً من مفاوضات طويلة بين القوى السياسية، فإن معيار الكفاءة قد يتراجع أمام حسابات التوازن والمحاصصة والترضيات السياسية.
والسؤال الذي يجب أن يُطرَح اليوم: كيف يمكن محاسبة حكومة على تنفيذ برنامجها وهي لم تستكمل أدوات التنفيذ؟ وكيف يمكن مطالبة وزير أو مؤسسة بتحقيق أهداف محددة، بينما جزءٌ من السلطة التنفيذية ما زال ينتظر اتفاقاً سياسياً؟
إن استمرار التأجيل في استكمال الحكومة يرسل رسالة سلبية إلى الشارع العراقي مفادها أن الخلاف على المواقع ما زال يتقدّم على الاتفاق بشأن مستقبل الدولة. والمواطن الذي ينتظر الكهرباء وفرص العمل والخدمات ومكافحة الفساد لا تعنيه كثيراً تفاصيل الصراع على الحقائب بقدر ما تعنيه النتيجة النهائية: هل توجد حكومة قادرة على العمل أم حكومة ما زالت تنتظر اكتمال أركانها؟
ولهذا، فإن استكمال الكابينة الوزارية يجب أن يكون جزءاً من مشروع إنهاء سياسة التأجيل؛ فلا يمكن بناء دولة قوية بقرارات مؤجلة، ولا يمكن تنفيذ برنامج حكومي بمؤسسات غير مكتملة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي بينما يبقى القرار التنفيذي رهينة التوافقات السياسية.
فإما أن تُحسَم الملفات وتُستكمَل المؤسسات ويُطبَّق القانون، وإما سنبقى أمام المشهد ذاته: أزمات تتكرر، ووعود تتجدد، وحلول تنتظر موعداً جديداً للترحيل.

