د.نبيل رحيم العبادي | خبير مصرفي ومالي
ليس خافياً على أحد أن العراق اليوم، بموازنته الريعية التي ترتهن لتقلبات أسعار النفط، يقف أمام مفترق طرق صعب. فالإيرادات النفطية، مهما ارتفعت، تظل عاجزة عن سد فجوة العجز الهيكلي في الموازنة التشغيلية؛ إذ تلتهم رواتب الموظفين والمتقاعدين أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق، تاركةً القليل للاستثمار والتنمية. في هذا السياق، يأتي اقتراح دمج وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مع هيئة الحج والعمرة كخطوة يراها البعض تقليصاً بيروقراطياً، ويراها آخرون -ومنهم أنا- عملية جراحية اقتصادية طال انتظارها، بشرط أن تُجرى بمشرط حاد ودقة متناهية، لا أن تكون مجرد عملية تجميلية في هيكل الدولة.
الحقيقة أن الحديث عن دمج الوزارات والهيئات ليس وليد اللحظة، لكن التوقيت الحالي يحمل ضرورة ملحة تفرضها الأرقام. فالدولة العراقية تعاني تضخماً في الأجور والرواتب مع تدنٍ ملحوظ في الإنتاجية، وكثرةٍ في الأجهزة الإدارية الموازية التي تقدم خدمات متداخلة أو متطابقة. الأوقاف (التي تختص بإدارة الممتلكات الوقفية السنية والشيعية) وهيئة الحج والعمرة (التي تنظم شؤون الحجاج) تتصدران قائمة المرشحين للدمج؛ ليس لأنهما غير مهمتين، بل لأن هناك تداخلاً واضحاً في المهام الإدارية والمالية، وازدواجيةً في الإنفاق التشغيلي. إن ضم هيئة الحج إلى الأوقاف، أو العكس، يعني توحيد الميزانية، وتقليل الكوادر القيادية، وإلغاء المكاتب المكررة، وهو ما يوفر -حتى لو بمبالغ متواضعة نسبياً ضمن موازنة تريليونية- رسالة واضحة بأن الدولة عازمة على ترشيد كل دينار.
لكن التحذير الذي لا بد من إطلاقه بصوت عالٍ، انطلاقاً من المسؤولية، هو أن «الدمج الإداري» لا يساوي بالضرورة «الإصلاح المالي»؛ فتجارب عدة دول سبقتنا في هذا الطريق أثبتت أن مجرد دمج وزارتين تحت سقف واحد، دون إعادة هيكلة جذرية للوظائف والمهام، يؤدي إلى كيان أكبر حجماً وأكثر تعقيداً، بدلاً من أن يصبح أخف وزناً وأسرع إنجازاً. الخطر الأكبر يكمن في أن يُستخدَم الدمج كغطاء لتسريح الموظفين الفائضين دون تعويضات عادلة أو خطط لإعادة تأهيلهم، أو أن يتحول إلى صراع على المناصب القيادية يلهي الجميع عن الهدف الأساسي، وهو تحسين الخدمة المقدمة للمواطن وخفض العبء عن الخزينة.
إن نجاح هذه الخطوة، في نظري، يتوقف على شرطين جوهريين؛ أولهما: أن يسبق الدمجَ مراجعةٌ دقيقة وشاملة لكل مفردات الميزانية التشغيلية للجهتين، مع وضع سقف زمني ملزم لتقليل عدد الموظفين عبر إحالة من بلغ سن التقاعد، وفتح باب الاستقالة المكافئة لمن يرغب، مع إعادة هيكلة الأجور على أساس الكفاءة لا الأقدمية. وثانيهما: أن يكون الدمج تجريبياً في مرحلته الأولى، ويخضع لتقييم ربع سنوي يُعرَض على البرلمان والرأي العام؛ لضمان أن الاندماج الإداري ترافقه بالفعل وفورات مالية حقيقية، وألا يتحول إلى مجرد تغيير اللوحات على أبواب الدوائر.
إن دمج الأوقاف مع الحج والعمرة سيحدث ثورة في المالية العامة قد يكون مبالغاً فيه، لكن الأكيد أنه يمثل اختباراً حقيقياً لعزم الحكومة على مواجهة التحديات الاقتصادية. فإذا نجحت هذه التجربة، سيكون الطريق ممهداً لاندماجات أوسع وأكثر تأثيراً، كدمج وزارات الخدمات أو الصناعة والتجارة؛ أما إذا فشلت بسبب سوء التنفيذ، فسوف تتحول إلى ذريعة يعتصم بها المعطلون ضد أي إصلاح مستقبلي. لهذا، أنا أدعو القائمين على الأمر إلى التعامل معه كبرنامج وطني متكامل، لا كقرار إداري آني؛ لأن معركة تقليل النفقات ليست حرباً على الهيئات، بل هي استراتيجية بقاء لدولة تئن تحت وطأة إرث بيروقراطي أثقل من قدراتها المالية.

