علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
كان يفترض أن يكون العالم أكثر استعداداً لصدمة نفطية كبيرة بعد كل ما أنفقه خلال العقدين الماضيين على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية. مئات المليارات ذهبت إلى بناء محطات جديدة وتوسيع الشبكات وتطوير تقنيات التخزين. دول كاملة أعادت رسم سياساتها حول فكرة تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. ومع ذلك جاءت أزمة هرمز لتطرح سؤالاً أكثر إرباكاً من ارتفاع أسعار النفط. كيف يستطيع العالم إنتاج كميات متزايدة من الطاقة النظيفة.
ثم يجد نفسه في الوقت نفسه شديد الحساسية لتعطل طريق تمر عبره ناقلات النفط. قد تبدو الإجابة مرتبطة بتأخر التحول الأخضر. لكن المسألة أعمق من ذلك. فالعالم لم يكن يستبدل النفط بالطاقة المتجددة بالمعنى الكامل. كان يبني طبقة جديدة فوق منظومة قديمة ما زالت تشغل أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.
النفط يتمتع بميزة لا تظهر عند قياس كلفة إنتاج وحدة من الطاقة. وإنما تظهر عندما تحتاج الاقتصادات إلى الطاقة في كل مكان وفي كل وقت. يمكن استخراج البرميل في منطقة. ثم تخزينه لأشهر. ونقله آلاف الكيلومترات. وتحويله إلى وقود لمحرك أو طائرة أو سفينة أو شاحنة
هذه السلسلة بنيت حولها خلال أكثر من قرن بنية اقتصادية هائلة. موانئ ومصافي وخزانات وناقلات وشبكات توزيع وصناعات كاملة. لذلك فإن وجود النفط في السوق لا يعني فقط وجود مصدر للطاقة. وإنما وجود قدرة جاهزة على نقل الطاقة وتخزينها وتوزيعها وفقاً لحاجة الاقتصاد. وهذه الخاصية تجعل فقدان جزء من الإمدادات النفطية أكثر تعقيداً من مجرد فقدان كمية من الكهرباء.
هنا تظهر الفجوة بين إنتاج الطاقة وإتاحة الطاقة. الشمس والرياح تستطيعان إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء. وقد أصبحتا بالفعل منافساً قوياً لمصادر تقليدية في قطاع توليد الكهرباء. لكن إنتاج الكهرباء في لحظة معينة لا يضمن وجودها بالكمية نفسها بعد ساعات أو في منطقة أخرى. الشمس تتوقف ليلاً. والرياح لا تحافظ على سرعة ثابتة. لذلك تحتاج المنظومة إلى شبكات واسعة تنقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.
وتحتاج إلى بطاريات أو وسائل تخزين أخرى للاحتفاظ بالفائض. وتحتاج أيضاً إلى مصادر مرنة تستطيع تعويض الانخفاض عندما يتراجع إنتاج الشمس والرياح. كل ذلك يجعل الانتقال من محطة متجددة إلى منظومة طاقة قادرة على الاعتماد عليها بصورة واسعة مشروعاً أكبر بكثير من بناء المحطات نفسها.
وتكشف الأرقام حجم هذه المسافة. العالم يستهلك أكثر من مئة مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل عشرات مليارات البراميل سنوياً. وفي المقابل فإن الطاقة الشمسية والرياح حققتا توسعاً هائلاً في إنتاج الكهرباء. لكن الكهرباء المتجددة لا تمثل بديلاً مباشراً لكل الطاقة التي يوفرها النفط. فالنفط يدخل أساساً في النقل والصناعة والبتروكيماويات.
كما أن جزءاً مهماً من الطاقة التي تنتجها الشمس والرياح يذهب إلى قطاع الكهرباء. ولذلك لا يمكن مقارنة نمو القدرة الشمسية والرياح بعدد براميل النفط بطريقة مباشرة. فالوحدتان تؤديان وظائف مختلفة داخل الاقتصاد. وهذه هي إحدى أكثر النقاط التي تضيع أحياناً في النقاش حول التحول الطاقي.
لكن حتى اكتمال هذه البنية لا يحل المشكلة كلها. فالاقتصاد العالمي لا يستهلك الطاقة في صورة كهرباء فقط. الطائرات تحتاج إلى وقود عالي الكثافة. والسفن التجارية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود السائل. والشاحنات الثقيلة تعمل في أسواق واسعة بالديزل. لذلك فإن توسع الطاقة الشمسية والرياح قد يقلل الحاجة إلى النفط في إنتاج الكهرباء.
لكنه لا يعوض بالسرعة نفسها كل الاستخدامات الأخرى التي نشأت حول النفط. وهذه نقطة تغير طبيعة المنافسة نفسها. فالمطلوب ليس إنتاج كهرباء أكثر فقط. وإنما إنتاج بدائل تستطيع أداء الوظائف التي يؤديها النفط في قطاعات مختلفة وبالكفاءة والمرونة نفسيهما.
وتظهر هذه الفجوة بأوضح صورها في قطاع النقل. فالاقتصاد العالمي لا يحتاج إلى تحريك السيارات والشاحنات والطائرات والسفن فقط. وإنما يحتاج إلى تحريكها لمسافات طويلة وبصورة مستمرة وفي ظروف متغيرة. الكهرباء تستطيع أن تؤدي جزءاً متزايداً من هذه المهمة في السيارات وبعض وسائل النقل الأخرى.
لكن تحويل النقل البحري والجوي والشاحنات الثقيلة إلى بدائل كهربائية أو وقود نظيف يحتاج إلى بنية تحتية جديدة وتقنيات مختلفة واستثمارات ضخمة. وتزداد الصعوبة كلما احتاجت وسيلة النقل إلى طاقة أكبر لمسافة أطول.
وهنا تظهر أهمية الابتكارات التي لا تقوم على الكهرباء المباشرة وحدها. الهيدروجين الأخضر يطرح نفسه كأحد الخيارات للقطاعات التي يصعب تشغيلها بالبطاريات. يمكن إنتاجه باستخدام الكهرباء المتجددة ثم استخدامه في الصناعة الثقيلة وبعض تطبيقات النقل البحري.
كما يمكن تحويله إلى مشتقات مثل الأمونيا أو استخدامه في إنتاج أنواع جديدة من الوقود. وهناك أيضاً الوقود الاصطناعي الذي يمكن إنتاجه باستخدام الهيدروجين مع الكربون. وقد يصبح خياراً مهماً في الطيران وبعض الصناعات التي يصعب تغيير بنيتها بسرعة.
لكن هذه التقنيات لا تعني أن البديل أصبح جاهزاً على نطاق عالمي. إنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء المتجددة. ويحتاج إلى محطات تحليل كهربائي وشبكات نقل وتخزين وموانئ وبنية تحتية جديدة. والوقود الاصطناعي يحتاج إلى طاقة إضافية وإلى عمليات صناعية معقدة.
لذلك فإن هذه الابتكارات قد تكون جزءاً أساسياً من الحل. لكنها في الوقت نفسه تضيف طبقات جديدة إلى عملية التحول. المطلوب ليس اختراع وقود جديد فقط. المطلوب إنتاجه بكميات ضخمة وبكلفة تنافسية ثم نقله وتخزينه واستخدامه في منظومة عالمية واسعة.
وهذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الطاقة. عندما بدأ النفط يصعد كمصدر رئيسي للطاقة في القرن العشرين بدا لكثيرين أن عصر الفحم يقترب من نهايته. كان النفط أكثر مرونة في النقل والاستخدام. وتوسعت الصناعات التي تعتمد عليه بسرعة.
ومع ذلك احتفظ الفحم بموقعه في إنتاج الكهرباء والصناعة ومجالات أخرى. وما زال يمثل قرابة ثلث مزيج الطاقة العالمي وفق طريقة القياس والفترة الزمنية. تكشف هذه التجربة أن صعود مصدر جديد لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المصدر السابق. كل مصدر يدخل أولاً إلى المجالات التي يكون فيها أكثر قدرة على المنافسة.
بينما تستمر المصادر الأقدم في القطاعات التي لا تزال تعتمد على خصائصها أو على البنية التحتية القائمة حولها. وهذا ما يجعل التحول الطاقي عملية تراكمية طويلة أكثر من كونه انتقالاً حاداً من مصدر إلى آخر.
وتصبح هذه الفجوة أكثر وضوحاً في الدول النامية. فقد تمتلك بعض هذه الدول موارد شمسية ورياحاً تفوق ما لدى دول صناعية كثيرة. لكن وجود المورد الطبيعي لا يعني امتلاك القدرة على استثماره على نطاق واسع. فالمحطة تحتاج إلى شبكة تنقل الكهرباء.
والشبكة تحتاج إلى محطات تحويل وتوزيع. والإنتاج المتغير يحتاج إلى تخزين أو مصادر احتياطية. والمناطق الغنية بالشمس والرياح قد تكون بعيدة عن المدن ومراكز الصناعة. كل حلقة تضيف استثماراً جديداً إلى المشروع.
بالنسبة إلى اقتصاد يمتلك رأس مال محدوداً ويواجه كلفة مرتفعة للتمويل فإن بناء هذه المنظومة قد يصبح مشروعاً يمتد لعقود. في الوقت نفسه توجد منظومة الوقود الأحفوري جاهزة للعمل. خزانات وناقلات وموانئ ومحطات وقود وشبكات توزيع تراكمت عبر عقود.
لذلك قد لا يكون السؤال بالنسبة إلى كثير من الدول هو أي مصدر أكثر نظافة. وإنما أي منظومة تستطيع تشغيل الاقتصاد الآن وبالكلفة التي يستطيع تحملها.
وتزداد صعوبة الاستغناء عن النفط عندما نغادر قطاع الطاقة نفسه. فالنفط والغاز لا يدخلان الاقتصاد فقط بوصفهما وقوداً. إنهما يدخلان أيضاً بوصفهما مواد أولية لصناعات واسعة تمتد من البلاستيك والمواد الكيميائية إلى الأدوية والأسمدة ومواد التغليف والدهانات والمطاط الصناعي وغيرها من المنتجات التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح تستطيعان إنتاج الكهرباء. لكنهما لا تنتجان المادة الهيدروكربونية التي تحتاج إليها هذه الصناعات.
وهنا تظهر الحدود الفعلية لفكرة الاستبدال. يمكن استبدال جزء من الكهرباء المنتجة من الوقود الأحفوري بالكهرباء المتجددة. ويمكن استبدال جزء من البنزين بالسيارات الكهربائية. ويمكن للهيدروجين الأخضر والوقود الاصطناعي أن يفتحا مسارات جديدة في الطيران والشحن والصناعة. لكن استبدال النفط بالكامل يتطلب العثور على بدائل لكل وظيفة يؤديها داخل الاقتصاد. وهذا يتطلب وقتاً واستثمارات وبنية تحتية لا يمكن بناؤها بالسرعة التي تتحرك بها أسواق النفط.
عند هذه النقطة يصبح فهم أزمة هرمز أكثر وضوحاً. فالمشكلة لم تكن في غياب مصادر بديلة للكهرباء. ولم تكن في أن العالم توقف عن الاستثمار في الطاقة الجديدة. المشكلة أن النفط ما زال مرتبطاً بسلسلة واسعة من النشاط الاقتصادي تبدأ بالنقل ولا تنتهي عند الصناعة. وعندما يتعرض أحد أهم طرق إمداده للاضطراب فإن الأسواق لا تبحث عن كهرباء إضافية من الشمس والرياح. إنها تبحث عن براميل بديلة. وناقلات بديلة. ومصافي قادرة على استقبال أنواع مختلفة من الخام. ومسارات بحرية تستطيع إيصال الشحنات إلى الأسواق.
وهنا تظهر نقطة أكثر حساسية. الطاقة المتجددة تستطيع أن تقلل الطلب على النفط تدريجياً. والهيدروجين الأخضر والوقود الاصطناعي قد يوسعان مساحة البدائل في المستقبل. لكن أياً من هذه التقنيات لا يستطيع بالسرعة نفسها تعويض كمية كبيرة من النفط تختفي من السوق بصورة مفاجئة. لا يمكن بناء شبكة كهرباء جديدة خلال أيام. ولا يمكن تحويل الطائرات والسفن والشاحنات إلى منظومة طاقة مختلفة خلال أسابيع. ولا تستطيع محطات شمسية جديدة أن تعوض مباشرة ملايين البراميل التي يتعطل وصولها إلى المصافي.
لذلك فإن صدمة هرمز تختبر شيئاً مختلفاً عن قدرة الطاقة النظيفة على النمو. إنها تختبر قدرة العالم على الاستغناء الفوري عن النفط عندما يصبح تدفقه مهدداً. وهنا تكمن المفارقة. قد يكون العالم قادراً على بناء مستقبل أقل اعتماداً على النفط. لكنه لا يزال غير قادر على الوصول إلى ذلك المستقبل بالسرعة التي تتطلبها أزمة مفاجئة.
مهما بلغت الطاقة النظيفة من تطور في التكنولوجيا وانخفاض في الكلفة واتساع في الاستثمار. فإنها لم تصل بعد إلى موقع يستطيع فيه الاقتصاد العالمي الاستغناء عن الوقود الأحفوري. والسبب أبعد من إنتاج الكهرباء. النفط والغاز يشغلان النقل. ويغذيان الصناعة. ويدخلان في البتروكيماويات. ويمدان الاقتصاد بمواد أولية تدخل في عدد هائل من المنتجات التي تقوم عليها الحياة الحديثة. لذلك فإن استبدال النفط لا يعني بناء المزيد من محطات الشمس والرياح فقط. وإنما يعني بناء منظومة أخرى قادرة على أداء كل هذه الوظائف. وهذه المنظومة بدأت تتشكل. لكنها لم تكتمل حتى الآن.
أزمة هرمز كشفت ذلك بوضوح. فبعد كل ما أنفقه العالم على التحول الأخضر بقي تعطل تدفق النفط كافياً لإرباك الأسواق ورفع كلفة الطاقة وتهديد حركة التجارة. هذه ليست هزيمة للطاقة النظيفة. وهي بالتأكيد لا تعني أن الاستثمار فيها كان خطأ. لكنها تكشف حدودها الحالية.
فالعالم يستطيع أن يقلل اعتماده على النفط. ويستطيع أن يستبدل جزءاً كبيراً من استخداماته. وقد يمتلك خلال السنوات المقبلة أدوات جديدة مثل الهيدروجين الأخضر والوقود الاصطناعي لتوسيع مساحة هذا الاستبدال. لكنه لا يستطيع حتى الآن أن يلغي النفط من معادلة الاقتصاد العالمي.
ولهذا سيبقى النفط والغاز في قلب أمن الطاقة خلال المرحلة الانتقالية. ليس لأن العالم لا يملك بديلاً واحداً. بل لأن البديل الحقيقي يحتاج إلى منظومة كاملة. كهرباء متجددة. وشبكات. وتخزين. وهيدروجين، ووقود اصطناعي. وموانئ. وتقنيات جديدة. وسلاسل إمداد مختلفة. وكل ذلك يحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار. حتى تكتمل هذه المنظومة سيظل العالم يعيش بين نظامين. نظام قديم لا يستطيع التخلي عنه سريعاً. ونظام جديد ينمو بسرعة لكنه لم يصبح بعد قادراً على حمل الاقتصاد العالمي وحده.

