شبكة إنماز نيوز | محرر الشؤون العراقية
في محطات التاريخ المتأرجحة بين الجار والأزمات الإقليمية، تظل العلاقات والروابط الحدودية والجوية بين العراق وإيران مسرحاً لتحولات كبرى تتأثر بالمعادلات الدولية والقرارات السيادية.
وبينما تعود الذاكرة الدبلوماسية إلى وثائق رسمية من أرشيف الأمم المتحدة توثق أدق تفاصيل الحذر والحياد في تسعينيات القرن الماضي، يجد العراق نفسه اليوم أمام مشهد معاصر بالغ التعقيد، متمثلاً في إيقاف وتعليق الرحلات الجوية الإيرانية في مطاراته تحت وطأة وقبضة عقوبات الخزانة الأمريكية المشددة.
أولاً: جذور التاريخ ومحطات الحياد (قراءة في وثيقة الأمم المتحدة 1991)
تعود بنا الذاكرة إلى الوثيقة الرسمية الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة برقم (S/22163) والمؤرخة في 28 كانون الثاني/يناير 1991. هذه الوثيقة التي تحمل رسالة الممثل الدائم لجمهورية إيران الإسلامية لدى الأمم المتحدة آنذاك (كمال خرازي) الموجهة إلى الأمين العام، تجسد مرحلة حرجة من تاريخ المنطقة تزامنت مع “حرب الخليج الثانية”.
نصت تلك الوثيقة بوضوح على:
1. إعلان الحياد الإيراني: تأكيد طهران الرسمي آنذاك على عدم الاشتراك في الأعمال العدائية الدائرية.
2. التعامل مع الطوارئ الجوية: إصدار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قرارات حازمة بالاستيلاء على أي طائرة عسكرية (عراقية أو غيرها) تهبط اضطرارياً في الأراضي الإيرانية والاحتفاظ بها لحين انتهاء الحرب.
3. التدابير السيادية: تسجيل الاحتجاجات الشديدة والالتزام بقواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن لضبط حركة الحدود والأجواء ومنع استخدام الأراضي الإيرانية كمنصة عسكرية للصراع.
تلك الوثيقة التاريخية عكست مدى حرص الدول الإقليمية في تلك الحقبة على حماية أمنها القومي واستقرار أراضيها عبر سياسات ضبط النفس، وإبقاء خيوط التواصل ضمن الأطر القانونية الدولية وتحت مظلة الأمم المتحدة.
ثانياً: الحاضر والضغط المالي.. إيقاف الرحلات الإيرانية في المطارات العراقية
على النقيض من الحسابات السيادية البحتة التي طبعت المشهد الإقليمي سابقاً، فرضت التطورات الاقتصادية والسياسية المعاصرة واقعاً جديداً على العراق، لاسيما مع اتساع رقعة العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية على قطاع الطيران الإيراني والشركات المرتبطة به.
ففي تطور لافت، شهدت المطارات العراقية (وفي مقدمتها مطار بغداد الدولي ومطار النجف الأشرف) قرارات وإجراءات عملية تقضي بـ تعليق وإيقاف رحلات شركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات إلى إشعار آخر. وتأتي هذه الخطوة امتثالاً صارماً للتحذيرات الأمريكية الحادة التي أطلقتها وزارة الخزانة بشأن ملاحقة أي جهة أو مطار أو شركة تقدم خدمات أرضية، أو وقوداً، أو تسهيلات لشركات الطيران الإيرانية الخاضعة للائحة العقوبات السوداء.
هذا الإجراء وضع الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة وحساسة للغاية؛ فهي من جهة تسعى لتجنب العقوبات الاقتصادية والمالية القاسية التي قد تفرضها واشنطن على مؤسساتها ومطاراتها الحيوية، ومن جهة أخرى تواجه ترابطاً جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً واسعاً مع الجارة إيران، فضلاً عن تأثيرات ذلك على حركة المسافرين والزوار بين البلدين.
بين الماضي والحاضر: استمرارية الجغرافيا وضغط الإكراه الدولي
بين ورقة الأمم المتحدة عام 1991 التي نظمت فيها إيران شؤون هوامشها الجوية هرباً من أتون الحرب، وواقع مطارات العراق عام 2026 التي توقف فيها طائرات الجار الإيراني تنفيذاً لإملاءات “الخزانة الأمريكية”، يتضح جلياً كيف تحولت الأجواء الإقليمية من مساحات للتحوط الدبلوماسي المستقل إلى ساحات محكومة بشبكة معقدة من العقوبات الاقتصادية العابرة للحدود.
ويبقى التساؤل قائماً: إلى أي مدى ستستطيع الحكومات في المنطقة الموازنة بين مقتضيات الجوار التاريخي وضغط النظام المالي العالمي بقيادة واشنطن؟ المدى المنظور يؤكد أن قرار إيقاف الرحلات الأخير ليس إلا فصلاً جديداً من كتاب التأثيرات الأمريكية المستمرة على الجغرافيا السياسية والاقتصادية لشرق المتوسط والخليج.
يذكر أن اغلب مطارات العراق أعلنت ، إيقاف جميع الرحلات الجوية القادمة والمغادرة من وإلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية،حتى إشعار آخر، استناداً إلى توجيهات رسمية صادرة عن الجهات المختصة.



