د. سيف مسلم الكرعاوي | باحث أكاديمي عراقي
بعد انتهاء مهمة القوات الأمريكية في العراق بشكل رسمي، ضمن عملية “العزم الصلب” والتي فيها غادرت آخر القوات والمعدات المرتبطة بالمهمة هذه قواعدها في أربيل، وبهذا انتهت المهمة وانتهى الوجود العسكري في البلاد، مع استمرار العلاقات الأمنية بين بغداد وواشنطن، بصيغ أخرى.
ومع اغلاق هذا الملف عسكرياً والحديث عن سيادة العراق ومستقبل علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو ان هنالك “ملفات لم تغلق” وتستحق ان نضعها على طاولة النقاش، ولا سيما بما يتعلق بالإرث الصحي والبيئي الذي خلفته الحروب على العراق، وماذا عن الاف العراقيين الذين أرهقهم “السرطان” في بلد انهالت عليه خلال العقود الماضية الحروب، والقصف، واستخدام الذخائر المشعة، فضلا عن بقايا المتفجرات.
فقوات التحالف بحسب التقرير المقدم للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن السموم والأنشطة العسكرية، ورد فيه “ان قوات التحالف استخدمت خلال عزو العراق عام 2003 نحو (116) ألف كيلوغرام من (اليورانيوم المنضب)، وأن التلوث الذي ارتبط بتلك الذخائر وصل الى أكثر من (1000) موقع” بينها مناطق مأهولة بالسكان ()؛ ولم يكتف التقرير عن ذكر ذلك، بل ان هنالك تأثيرات ارتبطت بالهواء والتربة ومصادر المياه، وصعوبات في العيش ارتبطت بحياة الناس.
وإذا ذهبنا الى ارقام القيادة المركزية الأمريكية التي وردت في تقرير منظمة (هيومن رايتس ووتش)، تحدثت فيه صراحة عن استخدام القوات الاميريكية خلال حرب 2003 والعمليات التي قامت بها في العراق عن “استخدام القوات الاميريكية (10.782) ذخيرة عنقودية، ويمكن ان تكون قد احتوت على ما لا يقل عن (1.8) مليون ذخيرة فرعية”؛ كما استخدمت القوات البريطانية 70 ذخيرة عنقودية أُطلقت جواً و2,100 ذخيرة أُطلقت من الأرض، احتوت مجتمعة على 113,190 ذخيرة فرعية ().
وإذا علمنا ان بعض تلك الذخائر الفرعية لا ينفجر عند ارتطامه بالأرض، فيتحول حينها من سلاح يستخدم في المعركة، الى خطراً يبقى الى ما بعدها!
وفي الفلوجة عام 2004 ظهر ملف آخر، فقد أقرت الولايات المتحدةباستخدام الفوسفور الأبيض، ليس لأغراض الإضاءة وحجب الرؤيةفقط، وإنما كسلاح حارق ضد مقاتلين ()؛ الوثائق العسكريةالأميركية المنشورة بعد المعركة تحدثت صراحة عن استخدامهلإخراج المقاتلين من مواقعهم قبل استهدافهم بالمتفجرات الشديدةالانفجار.
وإذا غابت عنا الإحصاءات المتعلقة بمدى ارتباط ذلك بالأمراض مع كل هذه الأرقام وهي جزء يسير مما توفر للكاتب الحصول عليه، يجعل السؤال مشروعاً هل لدينا دراسات تبين مدى تأثيرها على صحة الانسان؟ وهل المصابين بالأمراض السرطانية كانوا ضحية تلك الحرب؟
في الوقت الذي تشير فيه تقديرات الوكالة الدولية لبحوث السرطانإلى تسجيل نحو 37,382 حالة جديدة عام 2022، مقابل أكثر من21 ألف وفاة في العام نفسه، كما كشفت احدى الدراسة العلميةالتي اعتمدت بيانات سجل السرطان العراقي بين 1999 و2019 أنمعدل الإصابة المسجل ارتفع من 43.95 إلى 91.66 حالة لكل مئةألف نسمة ().
يمكن للدبابات أن تغادر، ويمكن للقواعد أن تُسلّم، ويمكن أن تُطوىالأعلام وتُغلق العمليات العسكرية، لكن الأرض التي شهدت الحربلا تغادر مكانها، والناس الذين عاشوا بالقرب من ساحات القتال لايستطيعون أن يتركوا أجسادهم وراءهم.
بعد ثلاثة وعشرين عامًا من عام 2003، ربما لا يحتاج العراقيونإلى رواية سياسية جديدة عن الحرب بقدر حاجتهم إلى خريطةوطنية معلنة لمواقع التلوث الحربي، وفحوص بيئية مستقلة، ودراساتوبائية طويلة الأمد، وكشف كامل للمعلومات العسكرية المتعلقةبمواقع استخدام الذخائر ذات المخاطر البيئية، وبرنامج للتنظيفوالمتابعة الصحية.

