علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
لا تُقاس سلامة الاقتصاد بقدرة الدولة على دفع الرواتب اليوم. بل بقدرتها على مواصلة دفعها غداً من دون أن ترهن مستقبلها بالاقتراض أو تنتظر ارتفاع أسعار النفط لإنقاذ موازنتها. فقد يبدو الوضع المالي مستقراً ما دامت الإيرادات تغطي النفقات. لكن هذا الاستقرار قد يخفي اختلالاً يتسع عندما تنمو الالتزامات أسرع من قدرة الاقتصاد على إنتاج الدخل.
من هذه الزاوية أقرأ المسار المالي العراقي. فالمشكلة ليست عجز الدولة عن دفع الرواتب في الوقت الحاضر، وإنما تضخم الالتزامات التي يتعين عليها تمويلها كل عام. في اقتصاد لا يزال يعتمد على النفط اعتماداً أساسياً. ولا يمتلك قاعدة إنتاجية وصادرات متنوعة تكفي لتخفيف أثر تقلب الإيرادات. وقد لا تظهر نتائج هذا الاختلال فوراً. لكنها تصبح أكثر خطورة كلما تأخر الإصلاح.
تبدأ الصورة من الأرقام. ارتفع عدد سكان العراق من نحو عشرين مليون نسمة عام 2003 إلى نحو ستة وأربعين مليوناً اليوم. أي بزيادة تبلغ 130 بالمئة. وفي الفترة نفسها ارتفع عدد الموظفين والمتقاعدين ومن تعتمد دخولهم على الدولة من نحو مليون شخص إلى 7.5 ملايين، أي بزيادة تبلغ 650 بالمئة. وبذلك يكون نمو هذه الشريحة قد بلغ خمسة أضعاف معدل نمو السكان تقريباً.
هذه ليست مجرد أرقام كبيرة. إنها أرقام كارثية حين توضع أمام حقيقة الاقتصاد العراقي وطبيعة موارده. فماذا ينتج العراق اليوم، وماذا يصدر إلى العالم غير النفط حتى يحتاج إلى هذا العدد الهائل من الموظفين والمتقاعدين والمعتمدين على الخزانة العامة. وأين تقف الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي في معادلة تمويل هذه الالتزامات المتزايدة.
المشكلة ليست في ارتفاع عدد السكان. فالنمو السكاني يفرض توسعاً في الخدمات والمؤسسات. المشكلة أن الالتزامات المرتبطة بالدولة نمت بمعدل يفوق نمو السكان بخمسة أضعاف تقريباً، من دون أن يقابل ذلك تحول اقتصادي مماثل في الإنتاج والصادرات وتوليد الإيرادات المستدامة. وهذا يعني أن الدولة توسعت في توزيع الدخل أكثر مما توسعت في إنتاجه.
خلال السنوات الماضية لم تعد الوظيفة الحكومية مجرد مسار للاستقرار المعيشي. بل تحولت تدريجياً إلى أداة سياسية لاحتواء الشارع وامتصاص الاستياء الناتج عن البطالة وضعف الخدمات وتراجع فرص العمل، فعندما تعجز الحكومات عن تنشيط القطاع الخاص وخلق فرص عمل منتجة، يصبح التعيين الحكومي وسيلة سريعة لتهدئة المطالب الاجتماعية. حتى لو كان ثمنه توسيع التزامات مالية تستمر لسنوات طويلة.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يكون القطاع الخاص نفسه خاضعاً لنفوذ قوى سياسية وشبكات مصالح متداخلة مع السلطة. إذ يصبح بناء اقتصاد مستقل قائم على المنافسة والاستثمار أكثر صعوبة، ويجد المواطن نفسه أمام خيارات محدودة. إما انتظار وظيفة حكومية قد ترتبط بحسابات سياسية وحزبية. أو البحث عن فرصة في قطاع خاص لا تتوافر فيه دائماً بيئة المنافسة العادلة والحماية الكافية للعاملين، وهكذا يصبح التوظيف وسيلة لمعالجة إخفاق اقتصادي من دون معالجة أسبابه.
وتصبح خطورة الأرقام أكثر وضوحاً عندما نقارنها بحجم السكان في الدول الكبرى، فالولايات المتحدة التي يقترب عدد سكانها من 340 مليون نسمة. يقدّر عدد العاملين في حكومتها بمستوياتها المختلفة بنحو 23 مليوناً. أما الصين التي يتجاوز سكانها 1.4 مليار نسمة، فيقدّر عدد موظفيها المدنيين الحكوميين بنحو 7 ملايين. وفي الهند التي يتجاوز سكانها 1.4 مليار نسمة أيضاً. تقدر أعداد العاملين الحكوميين بنحو 20 مليوناً.
وتكشف هذه المقارنة عن سؤال يستحق التوقف عنده. كيف يتسع الاعتماد على الدولة في العراق إلى هذا الحد قياساً بحجم اقتصاده، بينما تستطيع الاقتصادات الكبرى توزيع فرص العمل والدخل على قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات والاستثمار الخاص، بما يخفف اعتماد المجتمع على الوظيفة الحكومية بوصفها المسار الأساسي للعيش. فالمشكلة العراقية لا تكمن في عدد الموظفين وحده، وإنما في اتساع الالتزامات العامة مقارنة بقدرة الاقتصاد على تمويلها.
ويجد هذا الاختلال تفسيراً إضافياً في ما يعرف اقتصادياً بالمرض الهولندي. وهي حالة قد تصيب الاقتصادات الغنية بالموارد الطبيعية عندما تؤدي عائدات النفط أو الغاز إلى إضعاف تنافسية القطاعات الإنتاجية الأخرى.
ففي العراق أصبحت الإيرادات النفطية مصدراً رئيسياً لتمويل الإنفاق العام والطلب المحلي. بينما ظلت الصناعة والزراعة والصادرات غير النفطية عاجزة عن بناء قاعدة اقتصادية موازية. ومع استمرار تدفق الإيرادات تستطيع الدولة توسيع الإنفاق والتوظيف وتمويل الاستيراد. لكن هذه القدرة قد تخفي ضعفاً في الإنتاج المحلي وتؤخر بناء قطاعات قادرة على خلق فرص العمل.
ولا يمكن اختزال المشكلة العراقية في النفط وحده. فقد أسهمت الحروب والعقوبات والاضطرابات الأمنية وضعف المؤسسات والسياسات الاقتصادية في إضعاف قطاعات الإنتاج، لكن استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية من دون إصلاح بنيوي يجعل معالجة الاختلال أكثر صعوبة. فالثروة التي كان يفترض أن تمول تنويع الاقتصاد قد تتحول إلى وسيلة لإدامة نموذج يعتمد على الدولة في توزيع الدخل أكثر مما يعتمد على الاقتصاد في إنتاجه.
وتقدم تجارب دول أخرى إنذاراً من هذا المسار. ففي اليونان تراكمت الديون العامة مع اختلالات مالية وهيكلية وضعف القدرة على ضبط الإنفاق.
وانتهت الأزمة إلى فقدان القدرة على الاقتراض بشروط طبيعية واضطرار الدولة إلى برامج إنقاذ قاسية، وفي لبنان أدى تراكم الدين العام وضعف الإيرادات والاختلالات المالية والنقدية إلى انهيار اقتصادي حاد منذ عام 2019. لم يكن تضخم الجهاز الإداري وحده سبب ما حدث في البلدين، لكن التجربتين توضحان خطورة تراكم الالتزامات عندما لا يقابلها اقتصاد منتج وإيرادات مستدامة.
وتظهر هشاشة النموذج العراقي كلما تراجعت أسعار النفط أو انخفضت الإيرادات، فالرواتب والتقاعد التزامات يصعب تأجيلها. وعند اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات تبدأ خيارات صعبة بالظهور، من الاقتراض إلى تقليص الاستثمار أو اتخاذ إجراءات مالية تمس القوة الشرائية للمواطنين. وقد تؤجل هذه الإجراءات الأزمة. لكنها لا تعالج جذورها إذا استمرت الدولة في توسيع التزاماتها من دون توسيع الاقتصاد المنتج.
وأنا أرى أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب تغييراً في فلسفة الدولة الاقتصادية، بحيث تنتقل من كونها المشغّل الأكبر للمواطنين إلى كونها الداعم لاقتصاد قادر على خلق فرص العمل والإنتاج. وهذا يبدأ بتفعيل القطاع الخاص وتوفير التسهيلات اللازمة للاستثمار فيه، وسنّ تشريعات تضمن حقوق العاملين وتحمي أجورهم واستقرارهم الوظيفي. وتوفر بيئة تنافسية عادلة تمنع احتكار الفرص وتحد من نفوذ القوى السياسية في النشاط الاقتصادي.
كما يتطلب الأمر إعادة الاعتبار إلى الزراعة والصناعة والتجارة. ودعم إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة وفق قدرتها على الإنتاج وخلق فرص العمل وتوسيع الصادرات. فكل مشروع منتج يضيف مورداً جديداً للاقتصاد ويخفف الاعتماد على إيرادات النفط. وكل فرصة عمل تنشأ خارج الجهاز الحكومي تقلل الضغط على الموازنة وتمنح الدولة قدرة أكبر على توجيه مواردها نحو الخدمات والبنية التحتية. وليس المطلوب أن تتخلى الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية.
بل أن تعيد توظيف إمكاناتها لتأسيس اقتصاد ينتج الثروة ويوسع فرص العمل بدلاً من الاكتفاء بتوزيع الدخل. فالدولة التي تستثمر في الإنتاج تبني موارد مستدامة. أما الدولة التي توسع التزاماتها من دون قاعدة إنتاجية تسندها فتبقى أسيرة تقلبات النفط ومخاطر العجز المالي.

