د.نبيل رحيم العبادي | خبير مالي و مصرفي
في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية أزمة مالية هي الأكثر تعقيداً منذ سنوات، اجتمعت المنظومة الحاكمة يوم أمس لمناقشة ملفات حيوية: الأسواق، والمشاريع، والفقر والبطالة، والواقع المعيشي والخدمي.
هذا الحراك السياسي، رغم أنه لم يتضمن بعد نقاشاً صريحاً لضبط الإنفاق، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو ترتيب أولويات وطني حقيقي، إذا ما تُرجم إلى خطة مالية واضحة.
البيان الصادر عن اللقاء يعكس إدراكاً للتحديات المطروحة على المواطن العراقي. لكن الأهم هو البناء على هذا الإدراك لتحويله إلى قرارات عملية: فكل هدف من الأهداف المعلنة «من دعم المشاريع إلى معالجة الفقر» يحتاج إلى تمويل مستدام، والتمويل المستدام يبدأ من ضبط الإنفاق وترتيب الأولويات، لا من الوعود المتفرقة.
وهنا تكمن الفرصة: أن يتحول الاجتماع المقبل من مناقشة الاحتياجات إلى مناقشة الوسائل. فقدرة العراق على تصدير النفط مرتبطة بعوامل خارجية متقلبة، وهذا واقع يجب أن يُدفع نحو بناء خطة طوارئ مالية تحمي الرواتب والخدمات الأساسية في حال أي صدمة. ووجود مثل هذه الخطة لا يعني التقشف، بل يعني حماية الفئات الأكثر حاجة من تقلبات لا ذنب لها فيها.
المطلوب الآن ليس المزيد من البيانات، بل خطوات ملموسة: تحديد النفقات القابلة للضبط، وترتيب أولويات الإنفاق، وتوضيح كيف ستُموّل المشاريع ومن المستفيد منها، ووضع سيناريوهات واضحة لإدارة الإيرادات في حال تقلصت عائدات النفط.
هذه الخطوات، إذا ما تبنتها القيادات السياسية بجدية، يمكن أن تحول الأزمة من عبء ثقيل إلى محطة إصلاح وطني.
المواطن العراقي لا يطلب المستحيل؛ يطلب أن تُدار موارده بعقلانية، وأن تُحمى وظائفه وخدماته من الصدمات، وأن يشعر أن القرار السياسي يبدأ من حسابه المصرفي لا من برج عاجي.
والفرصة ما زالت متاحة: اجتماع واحد جاد، بجدول أعمال مالي واضح، يمكن أن يغير المسار — بشرط أن يتحول الكلام عن الأولويات إلى خطة، والخطة إلى تنفيذ.

