إعادة تسعير المشتقات النفطية في العراق: إصلاح مالي أم كلفة تنتقل إلى الاقتصاد؟

ضحى عبوش | كاتبة وباحثة في الشأن الاقتصادي والطاقة

عندما تعيد الدولة تسعير أحد أهم مدخلات الإنتاج، فهي لا تغيّر رقماًفي قائمة الأسعار فقط، بل تعيد توزيع جزء من الكلفة داخلالاقتصاد.

وهذا تحديداً ما يجعل قرار إعادة النظر في أسعار المشتقات النفطيةفي العراق قضية تتجاوز ملف الوقود، لتصل إلى تكاليف الإنتاجوالنقل، والأسعار، والقدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية، والقدرةالشرائية للمواطن، ومستقبل المالية العامة.

فالعراق ما يزال اقتصاداً شديد الاعتماد على النفط. ووفق تقريرصندوق النقد الدولي لعام 2025، شكّلت الإيرادات النفطية نحو 90% من إجمالي الإيرادات الحكومية المقدرة لعام 2025، مع توقع استمرارالنسبة عند مستويات مماثلة حتى عام 2030. وهذا يعني أن المشكلةالمالية لا ترتبط بحجم الإيرادات فقط، بل بهيكلها أيضاً؛ إذ يجعلالاعتماد على مصدر واحد الموازنة عرضة لتقلبات أسعار النفط وحجمالصادرات.

ماذا يعني القرار فعلياً؟

في 18 آب/أغسطس 2026، أقر مجلس الوزراء دراسة رفع الدعم عنأسعار المنتجات النفطية للقطاعات كافة، باستثناء البنزين وزيت الغازوالنفط الأبيض والغاز السائل المجهزة للمواطنين حصراً، على أن يبدأالتطبيق في الأول من أيلول/سبتمبر. وفي أيلول، صوّت مجلس النوابعلى توصيات تطالب بإعادة النظر في القرار وتقييم آثاره الاقتصاديةوالاجتماعية، مع التشديد على منع اختناقات التجهيز ومكافحةالتهريب وإعادة تجهيز الوقود المدعوم للمزارعين والفلاحين.

ويعكس ذلك أهمية تقييم الإصلاح من زاوية تأثيره في النشاطالاقتصادي، وليس من مقدار الوفر المالي وحده.

من يتحمل كلفة الوقود؟

قد يسهم الدعم الواسع وغير الموجّه في الهدر والتهريب، ويحمّل الماليةالعامة أعباء تحد من تمويل أولويات أخرى. لكن رفع كلفة الوقود قدينتقل إلى تكاليف التشغيل والنقل، ثم الإنتاج، وصولاً إلى أسعارالسلع والخدمات. 

وتكون الزراعة والصناعة والنقل أكثر تعرضاً لهذه الضغوط بحسبدرجة اعتمادها على الوقود. لذلك، لا يُقاس نجاح الإصلاح بحجم الوفروحده، بل بقدرته على تقليل الهدر دون إضعاف الإنتاج أو زيادةالأعباء المعيشية.

سعر الصرف يزيد تعقيد المعادلة

في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن البنك المركزي العراقي أسعاراًللدولار بلغت 1500 دينار عند الشراء من وزارة المالية، و1510 دنانيرعند البيع للمصارف، و1520 ديناراً للبيع النقدي للجمهور.

وبالمقارنة مع سعر 1300 دينار للدولار، يمثل سعر 1500 ارتفاعاًحسابياً بنحو 15.4%، من دون أن يعني ذلك ارتفاع جميع الأسعاربالنسبة نفسها.

وقد يؤدي تغير سعر الصرف، بالتزامن مع ارتفاع كلفة الوقود والنقل،إلى زيادة كلفة المدخلات المستوردة وضغط إضافي على المنتجين. أماتعزيز تنافسية المنتج المحلي، فيتطلب قدرة إنتاجية وبنية تحتية وتمويلاًيحد من الاعتماد على المواد الخام والآلات المستوردة. 

لماذا أصبح الإصلاح المالي ملحّاً؟

توقّع صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2025 ارتفاع العجز الماليمن 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 9.2% في2026، وارتفاع الدين الحكومي من 54.3% إلى 62.3% من الناتجخلال الفترة نفسها. كما أشار إلى ارتفاع سعر النفط اللازم لتحقيقالتوازن المالي إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024، مقابل 54 دولاراًفي 2020.

وهذه توقعات منشورة في 2025 وليست نتائج نهائية لعام 2026،لكنها توضح حجم الضغوط المالية. ومع ذلك، فإن تعديل الدعم وحده لايعالج الاختلالات ما لم يترافق مع ضبط الإنفاق، وتنويع الإيرادات،وتعزيز الإنتاج المحلي.

ما المسار المطلوب؟

تُظهر تجارب دول مثل إندونيسيا ومصر والأردن أهمية ربط إصلاحدعم الطاقة بالتدرج والحماية الاجتماعية. ويحتاج العراق إلى دعمموجّه للفئات محدودة الدخل والقطاعات الإنتاجية، ومكافحة الهدروالتهريب، وتعزيز الرقابة على توزيع الوقود واستهلاكه، وتقييم أثرالقرارات في الأسعار والإنتاج والتشغيل.

كما ينبغي توجيه الوفورات نحو الكهرباء والبنية التحتية والزراعةوالصناعة والخدمات الأساسية، بالتوازي مع إصلاح الإنفاق وتوسيعالإيرادات غير النفطية.

الإصلاح الحقيقي لا ينقل الكلفة فقط

إن إعادة تسعير المشتقات النفطية قد تكون جزءاً من الإصلاح المالي،لكنها لا تحقق أهدافها الاقتصادية إلا إذا اقترنت بكفاءة الإنفاق،وحماية الفئات المتضررة، وتعزيز الإنتاج وتنويع الإيرادات.

فالإصلاح الحقيقي ليس أن تنتقل الكلفة من الموازنة العامة إلى المنتجوالمستهلك، بل أن تتحول كلفة الإصلاح المؤقتة إلى فرصة لبناء اقتصادأكثر إنتاجاً واستدامة وأقل اعتماداً على النفط.