د.معراج الحديدي | عضو اكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد
تثير مسألة تكليف محافظ كركوك بمنصب وزير في الحكومة الاتحادية إشكالية قانونية تتعلق بمدى جواز الجمع بين المنصبين والاثر المترتب على صدور مرسوم جمهوري لاحق بتكليفه وزيراً، مع وجود مرسوم سابق بتعيينه محافظاً وتزداد اهمية هذه المسألة في كركوك بسبب خصوصيتها السياسية وتوازناتها بين المكونات الامر الذي يستدعي معالجة قانونية تضمن استمرارية الادارة المحلية واحترام الاختصاصات الدستورية.
الموقف القانوني من الجمع بين المنصبين
نصت المادة (122/رابعاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على ان (المحافظ ينتخبه مجلس المحافظة وينظم القانون انتخابه وصلاحياته) كما نظمت المواد (7 و24 و26) من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008 المعدل اختصاصات مجلس المحافظة وطبيعة منصب المحافظ وآلية تعيينه.
ومن الناحية القانونية الاصل عدم جواز الجمع بين منصبي المحافظ والوزير لاختلاف طبيعة المسؤوليات التنفيذية والاختصاصات المرتبطة بكل منهما فالمحافظ يمثل الرئيس التنفيذي الأعلى في المحافظة بينما يتولى الوزير مسؤوليات تنفيذية على المستوى الاتحادي، الامر الذي يستوجب وضوح المركز القانوني لكل منهما وتحديد المسؤولية عن القرارات والاختصاصات التي يمارسها.
إلا ان وجود مرسومين جمهوريين لا يعني بذاته ان المرسوم اللاحق الغى المرسوم السابق تلقائياً إذ يتطلب الامر الاطلاع على منطوق المرسوم الصادر بتكليفه وزيراً، والتحقق مما إذا كان قد تضمن إنهاء تكليفه السابق او ترتب عليه قانوناً انتهاء صفته محافظاً فضلا عن مراجعة الإجراءات الرسمية ذات الصلة.
وعليه، يجب التمييز بين عدم جواز الجمع بين المنصبين من الناحية القانونية وبين تحديد الإجراء الذي ينهي الصفة القانونية للمحافظ بصورة رسميا فالترجيح الأول لا يغني عن التحقق من الثاني.
السؤال الاهم هل يستمر المحافظ في منصبه لحين اختيار البديل؟
لا يصح افتراض استمرار المحافظ في ممارسة مهامه إلى أجل غير محدد لمجرد عدم انتخاب بديل، كما لا يصح اعتبار منصبه شاغراً بصورة نهائية من دون تثبيت الأساس القانوني لذلك
فالمادة (28) من قانون المحافظات عالجت حالة عجز المحافظ لأسباب صحية مدة تزيد على ثلاثة أشهر، ونظمت تولي النائب الأول مهامه لحين انتخاب محافظ جديد. أما المادة (30)، فتتعلق باستمرار تصريف الأمور اليومية بعد انتهاء الدورة الانتخابية للمجالس إلى حين انتخاب خلفائها ولا يتضمن النصان، بصيغتهما المذكورة، تنظيماً صريحاً شاملاً لحالة انتقال المحافظ إلى منصب وزاري اتحادي أثناء الدورة.
لذلك، فإن تطبيق أي من هذين النصين على حالة كركوك يحتاج إلى سند قانوني وتفسير يراعي طبيعة الحالة والحل السليم هو حسم المركز القانوني للمحافظ، وتحديد الجهة المخولة بإدارة المحافظة مؤقتاً بموجب القانون، بما يمنع الفراغ الإداري أو ازدواج ممارسة الاختصاصات.
دور مجلس محافظة كركوك وصلاحياته
يؤدي مجلس المحافظة دوراً أساسياً في معالجة هذه الإشكالية فالمادة (7) من قانون المحافظات رقم (21) لسنة 2008 المعدل تمنحه صلاحية انتخاب المحافظ وفق الأغلبية والإجراءات المقررة قانوناً.
وبناء على ذلك يمكن للمجلس اتخاذ الإجراءات الآتية:
مع العرض انه لا يجوز للمجلس أو لأي جهة تنفيذية أن تستحدث صلاحية لتعيين محافظ وكالة او تكليفه خارج الحدود التي يرسمها الدستور والقانون.
خصوصية كركوك والتفاهمات السياسية
لا يمكن تجاهل خصوصية كركوك والتفاهمات السياسية بين مكوناتها العربية والكردية والتركمانية ولا سيما ما يتعلق بتداول منصب المحافظ بموجب اتفاق جلسة فندق الرشيد غير أن هذه التفاهمات على أهميتها لا تحل محل الإجراءات القانونية ولا تمنح أي جهة صلاحيات لم يقررها القانون.
كما يجب الفصل بين مسألتين: الأولى هي تحديد المركز القانوني للمحافظ الذي تولى الوزارة، والثانية هي اختيار البديل الذي يحظى بالقبول السياسي وفق الآلية القانونية فالخلاف بشأن المرشح الجديد لا يبرر استمرار ازدواجية المنصب كما أن حسم الصفة القانونية للمحافظ لا يعني تجاوز التفاهمات المشروعة بين مكونات المحافظة.
وفقا لما تقدم والراجح قانوناً هو عدم جواز استمرار الشخص نفسه في ممارسة مهام المحافظ والوزير معاً متى ثبت توليه المنصب الوزاري بصورة رسمية ولا يوجد سند قانوني خاص يجيز الجمع بينهما وأن صدور المرسوم الجمهوري اللاحق يكفي بإلغاء المرسوم السابق وفقاً اللقاعدة اللاحق يقيد السابق وينسخه وهذا ما اشار اليه رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي فائق زيدان قي مقاله (مخالفة النصوص الدستورية) في 12/3/2020 أو بانتهاء الصفة المحلية تلقائياً
وعليه فإن الحل السليم لأزمة كركوك يتمثل في حسم المركز القانوني للمحافظ بصورة رسمية وتحديد الجهة المخولة بإدارة المحافظة مؤقتاً استناداً إلى القانون ثم تفعيل اختصاص مجلس المحافظة في انتخاب البديل وفق الإجراءات المقررة.

