الفن العراقي بين ثِقَل الإرث وضَعف الحاضر

سدن سالم – يُعدّ الفن العراقي واحدًا من أعرق المدارس الفنية في المنطقة العربية. فمن بغداد إلى البصرة والموصل وكركوك، كان العراق لسنوات طويلة مركزًا ثقافيًا يتصدّر المشهد الإبداعي من موسيقى ومسرح وسينما وتشكيل. لكن رغم هذا الإرث الهائل، يبدو أن الفن العراقي اليوم يعيش حالة من التراجع النسبي مقارنةً بدول الخليج التي استطاعت في العقدين الأخيرين أن تضع نفسها في مقدمة المشهد الإعلامي والفني العربي، بفضل خطط واضحة واستثمارات ضخمة.

الفن العراقي: حضور تاريخي وتأثير إقليمي

شهد العراق منذ منتصف القرن العشرين نهضة فنية واسعة. فالمسرح العراقي كان يُقدَّم كنموذج يُدرَّس في الجامعات العربية، والدراما العراقية وصلت إلى معظم البيوت في الثمانينيات والتسعينيات، والموسيقى العراقية أثّرت في أجيال كاملة، مع أسماء كبيرة مثل ناظم الغزالي، ياس خضر، سعدي الحلي، كاظم الساهر وغيرهم. كما شكّل الفن التشكيلي العراقي – رواد الحداثة من جواد سليم إلى فائق حسن – مدرسة قوية ومؤثرة.

لكن رغم قوة الإرث، تراجع الحضور الإقليمي للفن العراقي بشكل واضح بعد عام 2003، نتيجة الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي غيّرت شكل الدولة والمجتمع.

الفن الخليجي: صعود مدروس ومنظم

في المقابل، استطاعت دول الخليج أن تصنع نقلة نوعية في الفنون والإعلام. فقد تأسست قنوات ضخمة، واستوديوهات حديثة، ومؤسسات إنتاج تعمل برؤية واضحة.
الدراما الخليجية اليوم تُصدَّر إلى العالم العربي، والأغنية الخليجية أصبحت ضمن الأكثر رواجًا، والمهرجانات الفنية في السعودية والإمارات أصبحت منصات لنجوم عالميين.

نجاح الفن الخليجي لم يأتِ من موهبة فقط، بل من بيئة إنتاج مستقرة، تمويل كبير، تسويق احترافي، وسياسات ثقافية تدعم الفنانين.

ضعف التسويق في الفن العراقي: المشكلة الأعمق

من أبرز التحديات التي يعاني منها الفن العراقي هو ضعف التسويق. فالمنتج العراقي غالبًا لا يصل إلى الجمهور العربي رغم جودته في بعض الأحيان. ويمكن تلخيص أسباب ضعف التسويق في عدة نقاط:

  1. غياب شركات إنتاج قوية
    بعد 2003، تفككت بنية الإنتاج الفني، ولم تظهر شركات قادرة على المنافسة الإقليمية. معظم الإنتاجات قائمة على جهود فردية أو تمويل محدود لا يسمح بتسويق حقيقي.
  2. ضعف الحضور الإعلامي
    لا توجد قنوات عراقية ذات انتشار عربي واسع، مقارنة بقنوات خليجية ومصرية تمتلك ملايين المتابعين. وبالتالي، فإن العمل العراقي غالبًا يبقى محليًا.
  3. عدم الاستثمار في منصات التواصل
    الفنان الخليجي اليوم مدعوم بحملات تسويق عبر منصات رقمية، بينما ما يزال أغلب الفنانين العراقيين يعتمدون على مجهودهم الشخصي أو جمهور محلي محدود.
  4. مشاكل الإدارة والتخطيط
    كثير من الأعمال العراقية تُكتب وتنتج بسرعة، دون رؤية استراتيجية، مما يقلل فرص نجاحها خارج الحدود.
  5. الصورة النمطية عن الوضع الأمني
    رغم تحسن الأوضاع في السنوات الأخيرة، ما يزال بعض المنتجين العرب يعتقدون أن العمل في العراق صعب، وهذا يحدّ من التعاون المشترك.

لماذا يتراجع الفن العراقي؟

إضافةً إلى ضعف التسويق، هناك أسباب تجعل الفن العراقي في موقع أقل من مكانته التاريخية:

  1. عدم الاستقرار بعد 2003
    الحروب والاضطرابات أثرت على الفنانين، ودخل الكثير منهم في الهجرة أو توقفوا عن العمل.
  2. هجرة الكفاءات
    عدد كبير من المخرجين والموسيقيين والممثلين سافروا إلى أوروبا والخليج، مما فرّغ الساحة من الخبرات.
  3. غياب التمويل الحكومي والمؤسساتي
    لا توجد صناديق دعم للفنون كما في السعودية أو الإمارات، ولا توجد استراتيجية ثقافية طويلة الأمد.
  4. تراجع التعليم الفني
    المعاهد والكليات الفنية تراجعت في الإمكانيات والموارد، وهو ما انعكس على جودة الخريجين.
  5. انشغال المجتمع بالأزمات اليومية
    الأولويات الاقتصادية والاجتماعية غيّرت علاقة الجمهور بالفن، ما قلل الطلب على الإنتاج المحلي.

مقارنة بين الفن قبل 2003 وبعده

الفن قبل 2003
• كان هناك دعم حكومي كبير.
• وجود مؤسسة السينما والمسرح، وشركات إنتاج رسمية.
• الدراما العراقية تُعرض في القنوات العربية.
• الفنان يحظى بمكانة اجتماعية واضحة.
• بنية تحتية فنية متماسكة: فرق موسيقية، مسارح، أكاديميات.

الفن بعد 2003
• غياب الدولة عن القطاع الثقافي.
• ظهور إنتاجات فردية وموسمية بلا تخطيط مستدام.
• قطيعة شبه كاملة مع الجمهور العربي لسنوات طويلة.
• صعود محتوى رقمي سريع وبسيط على حساب الأعمال الكبيرة.
• بيئة اقتصادية مضطربة تؤثر على قدرة الفنانين على الإبداع.

هل يمكن أن يعود الفن العراقي إلى الواجهة؟

نعم، بشرط توفر عدة عوامل:
• تأسيس شركات إنتاج قوية تشارك في السوق العربي.
• الاستثمار في الشباب وصناعة المحتوى الحديث.
• التعاون مع دول الخليج لإنتاج أعمال مشتركة.
• تطوير منصات رقمية عراقية قادرة على الوصول الإقليمي.
• إطلاق صندوق وطني لدعم الفنون.

الفن العراقي يمتلك تاريخًا لا يشبه أي تاريخ آخر في المنطقة. إرث من الموسيقى والمسرح والدراما والفن التشكيلي قادر على أن ينهض من جديد، لكن ذلك يحتاج إلى إدارة حديثة، وتسويق ذكي، واستثمار واضح. وبينما تقدّمت الفنون الخليجية بخطوات كبيرة، يبقى العراق قادرًا على العودة في حال توفرت البيئة المناسبة وأُعيدت الثقة بالإبداع العراقي.