انخفاض قيمة الدولار… مؤشر فقدان الثقة في التعامل به

د. بلال الخليفة

إن صعود الدولار الأمريكي كعملة عالمية يرتبط بعدة عوامل تاريخية واقتصادية. فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تأسيس نظام بريتون وودز عام 1944، الذي جعل الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، حيث تم ربطه بالذهب. وقد منح هذا النظام الدولار هيمنة واضحة على التجارة الدولية والاستثمار.

ومع مرور الوقت، تراجع نظام بريتون وودز، واستُبدل بنظام أسعار الصرف العائمة في سبعينيات القرن الماضي، لكن الدولار ظل محتفظًا بمكانته كعملة رئيسية. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، منها:

  1. الاقتصاد الأمريكي القوي: يُعدّ الاقتصاد الأمريكي الأكبر والأكثر تنوعًا في العالم، مما يزيد من ثقة الدول في الدولار.
  2. الاستقرار السياسي: يوفر الاستقرار السياسي والديمقراطي في الولايات المتحدة بيئة آمنة للمستثمرين، مما يعزز الطلب على الدولار.
  3. السوق المالي المتقدم: تحتوي الولايات المتحدة على أسواق مالية متطورة وشفافة، ما يسهل على المستثمرين شراء الدولار وبيعه.
  4. استخدام الدولار في التجارة الدولية: يُستخدم الدولار على نطاق واسع كعملة تسعير للسلع الأساسية، مثل النفط، مما يعزز من حضوره في التجارة العالمية.
  5. الاحتياطيات الدولية: تحتفظ معظم الدول بجزء كبير من احتياطياتها من العملات الأجنبية بالدولار، ما يضمن استمرار الطلب عليه.

لكن الولايات المتحدة أقدمت على عدة إجراءات من شأنها تقويض هيمنة الدولار، وخالفت بذلك نقاط القوة المذكورة أعلاه، ومنها:

  1. ظهور اقتصادات قوية ومستقرة أخرى، كالاقتصاد الصيني (أنموذجًا).
  2. لم تعد الولايات المتحدة مستقرة سياسيًا بالشكل السابق، لكثرة تدخلها في الشؤون السياسية لدول العالم، ودخولها حروبًا دون تفويض أممي، أو حتى الرجوع إلى الكونغرس، إضافة إلى اتساع رقعة التظاهرات المنددة بسياساتها الخارجية المؤيدة لحكام مستبدين أو أنظمة دكتاتورية وظالمة، والأمثلة تطول ولا مجال لذكرها هنا.
  3. العالم اليوم يقيس التقدم بعدة معايير، وفي رأيي أن أهمها الذكاء الاصطناعي. وبما أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على الرقائق الإلكترونية، حتى قيل إن من يمتلك صناعة الرقائق سيسيطر على المستقبل. وتُعدّ أحدث الرقائق الأمريكية المصنعة من شركة NVIDIA هي رقاقة (H200)، التي منعت الولايات المتحدة بيعها للصين، وهو قرار تسبب بخسائر كبيرة للشركة. إلا أن الصين تجاوزت ذلك وصنعت رقائقها الخاصة، ولم تعد الولايات المتحدة منفردة بهذا المجال مع ظهور الصين كمنتج متقدم للرقائق والذكاء الاصطناعي.
  4. تراجعت نسبة استخدام الدولار كثيرًا في الآونة الأخيرة نتيجة ظهور عملات أخرى، كعملة اليورو التي تحتل المركز الثاني في حجم التداول العالمي، وستُذكر أهم الأسباب لاحقًا في نهاية المقال.
  5. بدأت الاحتياطيات الدولية من الدولار بالانخفاض، لتوجه العديد من الدول نحو تنويع احتياطاتها بعملات أخرى أكثر موثوقية، كالذهب أو عملات دول أخرى، مثل اليوان الصيني.

إن الأسباب الخمسة المذكورة أعلاه دفعت العديد من الدول إلى البحث عن عملة رديفة غير الدولار، ومن الجدير بالذكر وجود أسباب أخرى قد تكون أكثر أهمية، ومنها:

  1. العقوبات الأمريكية المفروضة على بعض الدول، التي جعلتها مضطرة أحيانًا، ومختارة أحيانًا أخرى، لإيجاد بديل عن الدولار لتجاوز تلك العقوبات، ومنها الجمهورية الإسلامية في إيران، وكوريا الشمالية، والصين، وروسيا.
  2. وجود بدائل عن الدولار وعن نظام «سويفت» أكثر ملاءمة وأقل شروطًا، مثل اليوان الصيني، والبنك الآسيوي، ونظامه (SCIP) المستخدم للتحويلات المالية.
  3. السياسة المتشددة للرئيس الأمريكي الحالي، التي طالت حلفاء الولايات المتحدة قبل أعدائها، مثل أوروبا وكندا، ما جعل حلفاءها يفقدون الثقة بالسياسة الأمريكية وبالدولار قبل خصومها.
  4. استخدام الولايات المتحدة الدولار، وبشكل منفرد بعيدًا عن مجلس الأمن، كأداة في فرض العقوبات الفردية على شخصيات ودول.
  5. فرض الولايات المتحدة رسومًا وضرائب كبيرة من شأنها الإضرار بالأوضاع الاقتصادية لتلك الدول.
  6. بعض الأحداث التي قامت بها الولايات المتحدة، ومنها اختطاف رئيس فنزويلا بحجج ضعيفة وغير مقبولة، وهو ما يُعد إنذارًا وتحذيرًا لدول العالم مفاده أن من يخالف السياسات الأمريكية قد يلقى المصير نفسه.
  7. إصرار الولايات المتحدة على السيطرة على جزيرة غرينلاند، رغم اعتراض رئيسها والاتحاد الأوروبي والعالم بأسره، وهو ما يعيد إلى الأذهان صورة الولايات المتحدة كدولة «كاوبوي» تتصرف بالأهواء لا بالقانون والمنطق.

لقد دفعت هذه التطورات حلفاء الولايات المتحدة إلى التحرك بوتيرة أسرع من المعتاد للتخلص من الهيمنة الأمريكية. وكما هو معلوم، فإن سر قوة الولايات المتحدة يكمن في الدولار واعتماده عالميًا في التسعير والتداول. وفي الآونة الأخيرة ظهرت عدة خطوات من شأنها إضعاف الموقف الغربي ودولاره، وتعزيز موقع المعسكر الشرقي، ومنها:

  1. الاتفاق الصيني – الكندي: وهو الاتفاق الذي جاء عقب زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى بكين في يناير 2026، وهي الأولى لرئيس وزراء كندي منذ ثماني سنوات. وتضمن الاتفاق خفض الرسوم الجمركية على سلع محددة، مثل السيارات الكهربائية الصينية والكانولا الكندية، في خطوة لتهدئة التوترات التجارية بين البلدين. وافقت كندا على خفض التعريفة الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية من 100% إلى 6.1%، والسماح باستيراد 49 ألف سيارة سنويًا بهذا المعدل، في حين وافقت الصين على خفض الرسوم الجمركية الانتقامية على بذور الكانولا الكندية وغيرها من المنتجات الزراعية، حيث يُتوقع أن تنخفض الرسوم على الكانولا من نحو 85% إلى 15% بحلول 1 مارس 2026.
  2. اتفاق الهند والاتحاد الأوروبي: وهو اتفاق وصفه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأنه «أمّ الصفقات»، في إشارة إلى حجمه وأبعاده الاستراتيجية. ويبلغ إجمالي الناتج المحلي للطرفين نحو 27 تريليون دولار، أي ما يعادل 22% من الناتج العالمي، وهو ما يمنح الاتفاق قدرة حقيقية على التأثير في اتجاهات التجارة والاستثمار العالمية. ويستهدف الاتفاق توسيع حجم التبادل التجاري، الذي تجاوز بالفعل 136 مليار دولار، وفتح الأسواق أمام قاعدة استهلاكية تقارب ملياري نسمة، إضافة إلى فتح السوق الهندية بشكل أوسع. وقد اتفق الطرفان على الآتي:
    أ- إلغاء الاتحاد الأوروبي الرسوم الجمركية على 99.5% من السلع المستوردة من الهند.
    ب- إلغاء الهند الرسوم الجمركية على 93% من واردات السلع من الاتحاد الأوروبي من حيث القيمة.

النتيجة أن العالم بدأ يفقد ثقته بالسياسة الأمريكية وبالدولار الأمريكي، ما أدى إلى تراجع قيمة الدولار يومًا بعد آخر. فعند إبرام اتفاقية بريتون وودز عام 1944، كانت قيمة الأونصة الواحدة من الذهب 35 دولارًا، أما اليوم فقد تجاوزت قيمتها 5000 دولار للأونصة الواحدة، وهو ما سبق أن بينّاه في أربعة مقالات سابقة بعنوان: «بداية أفول عصر الدولار».