بدلاً من خفض الرواتب أو تعويم الدينار .. «المسار الثالث» لإنقاذ اقتصاد العراق!

د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي ومالي

في ظل أزمة شح الإيرادات الناتجة عن توقف التصدير النفطي واستمرار إغلاق مضيق هرمز، يجد العراق نفسه اليوم أمام مفترق طرق مصيري. وبينما يطرح البعض خيارين مؤلمين ــ إما تأخير الرواتب أو خفض العملة وإشعال التضخم ــ أرى كخبير مصرفي أن هناك مساراً ثالثاً أكثر عملية وأقل ضرراً، يجمع بين الواقعية المالية والجرأة السياسية، وهو ما سأعرضه في هذا المقال.

أولاً: استعراض الحلول التقليدية (وخطرها)
الحلول التي يجري التداول بها حالياً تحمل تداعيات مدمرة:
1. خفض أو تأخير الرواتب: سيؤدي إلى احتجاجات واسعة وتراجع حاد بالقدرة الشرائية، ويدفع ملايين الأسر إلى ما دون خط الفقر.
2. خفض قيمة الدينار: حل ترقيعي يمنح الحكومة سيولة محلية مؤقتة، لكنه يفتح أبواب الجحيم التضخمي، حيث ترتفع أسعار السلع المستوردة (غذاء، دواء، وقود) بنسبة تتجاوز 30% خلال أسابيع.
كلا الخيارين يعني أن المواطن سيدفع الثمن مباشرة، سواء بفقدان جزء من راتبه أو بذوبان قيمته الشرائية.

ثانياً: (المسار الثالث) القابل للتطبيق
أقدم هنا خطة عملية مكونة من ثلاث حزم، تنقسم بين فورية وهيكلية، مع ضوابط صارمة لمنع الفشل.
الحزمة الأولى: حلول خلال (30-60 يوماً) لتأمين الرواتب المقبلة
· تفعيل الاقتراض الذكي: الإسراع باستكمال اتفاق القرض مع الصندوق الكويتي للتنمية (3 مليارات دولار)، مع فتح باب الودائع من قبل البنك المركزي العراقي لأجل للمصارف والمواطنين عن طريق المصارف بعائد يصل إلى 12% لسحب الدولارات من السوق الموازي.
· تأجيل البدلات وليس الرواتب: يصرف الراتب الأساسي كاملاً، مع تأجيل البدلات والمكافآت لثلاثة أشهر، باستثناء الدرجات الدنيا والضمان الاجتماعي. هذا أقل ضرراً من خفض الراتب بالكامل.

الحزمة الثانية: حلول هيكلية (3-6 أشهر)
· تثبيت سعر الصرف مؤقتاً: إعلان تثبيت الدينار عند 1320 ديناراً للدولار لمدة عام، مع إجبار التجار الكبار على استخدام منصة إلكترونية لتحويلاتهم الخارجية لكسر السوق السوداء.
· تسييل الأصول الحكومية غير المستغلة: طرح 15-20 عقاراً حكومياً (مبان مهجورة، أراضٍ فضاء) في مزادات علنية إلكترونية خلال 90 يوماً، وتوجيه العوائد مباشرة لحساب الرواتب.
· ضريبة وطنية مؤقتة: فرض رسم إضافي بنسبة 1.5% على الفواتير الإلكترونية (هاتف، إنترنت، كهرباء) والمشتقات التي تتجاوز 500 ألف دينار، ولمدة 8 أشهر فقط.

الحزمة الثالثة: ضوابط التطبيق (لضمان النجاح وليس الفشل)
· الشفافية الإجبارية: نشر إيرادات ومصروفات الحكومة أسبوعياً عبر منصة إلكترونية مفتوحة لمراقبة المواطن والإعلام.
· لجنة مصغرة للإدارة: تشكيل خلية أزمة مالية من 5 خبراء ونواب بدلاً من انعقاد البرلمان بكامل هيئته، لضمان سرعة القرار.
· خطة احتياطية (B): في حال فشل أي بند، يُفعّل إصدار سندات حكومية قصيرة الأجل (6 أشهر) يشتريها البنك المركزي تدريجياً، بحد أقصى 10% من الكتلة النقدية لتفادي التضخم.

رسالة إلى صناع القرار
المسار الثالث ليس حلماً وردياً، لكنه (تخدير الألم) الأقل كلفة. هو خيار يمنع انهيار الرواتب وانهيار العملة معاً، ويمنح العراق مهلة لا تتجاوز 4-6 أشهر لإعادة هيكلة ماليته بعيداً عن الريعة النفطية.