“اقتصاد التجاوز” المزدهر في العراق يدُ خفية يُهدد مستقبل العراق المائي والسياسي.؟

حمزة رمضان

لا يقتصر التحدي المائي والبيئي في العراق على شحّ المياه الواردة من دول المنبع أو على آثار التغير المناخي، بل يتفاقم بصورة أخطر بفعلٍ داخلي يُعرف بـ «اقتصاد التجاوز». ويُقصد به شبكة منظّمة من المصالح غير المشروعة المرتبطة بمتنفذين، تستغل الثغرات القانونية وضعف المؤسسات للسيطرة على الأراضي الزراعية والممتلكات العامة، ولا سيما أحواض الأنهار والسدود والوديان، ما يعرّض البنى التحتية والمدن والقصبات لمخاطر الفيضانات والسيول والكوارث البيئية.

يعمل «اقتصاد التجاوز» عبر آليات ممنهجة لتحويل الأصول العامة إلى أرباح خاصة على حساب المصلحة الوطنية، تبدأ بالاستيلاء غير القانوني على مساحات واسعة من شواطئ ومحرمات الأنهار المحمية قانوناً (خط التهذيب أو مسافة 150 متراً)، ثم استخدام النفوذ السياسي أو المالي للحصول على موافقات إدارية لاحقة تُشرعن المخالفة، وتحولها ظاهرياً إلى استثمار قانوني كمشاريع سياحية أو مجمعات سكنية.

كما يشمل هذا الاقتصاد التلاعب بالبيانات الفنية من خلال الضغط على الدوائر المختصة (الري والبلديات) لتغيير التصاميم الهيدروليكية أو التغاضي عن المواصفات القياسية. وقد أدى ذلك في مدن مثل بغداد والكوت إلى تقليص المقطع العرضي للأنهار داخل المدن لصالح منشآت خاصة، ما خفّض قدرتها على تمرير المياه الفيضانية.

وتستفيد هذه الشبكات أيضاً من الإهمال المتعمّد لأعمال الكري والصيانة السنوية للسدود والأنهر، إذ إن تراكم الترسبات يُضعف المقطع المائي، ثم يُستخدم لاحقاً مبرراً لمشاريع “معالجة” جديدة تدرّ أرباحاً على الجهات المتنفذة ذاتها.

إن الكلفة الحقيقية لـ«اقتصاد التجاوز» لا تُقاس بالأموال المنهوبة فحسب، بل بتهديد حياة ملايين المواطنين. فالعاصمة بغداد، على سبيل المثال، باتت مهددة بسبب التعدي على محرمات نهر دجلة، إذ لا يمرّر النهر اليوم سوى نحو 1500 م³/ثانية بدلاً من طاقته التصميمية المفترضة، نتيجة المشاريع السياحية المقامة داخل حرم النهر. وعند حدوث أي موجة فيضانية—even لو كانت أقل من فيضان 1988—فإن المقطع الضيق سيرفع منسوب المياه ويزيد احتمالات الكسرات الكارثية.

لقد أفقدت التجاوزات مفاهيم هندسة الأنهار، مثل «خط التهذيب»، قيمتها العملية، وحولتها إلى نصوص بلا تطبيق، خصوصاً بعد اندثار معالم الخط الذي وُضع عقب فيضان 1988 ووصول التجاوزات إلى لبّ النهر. كما حُرّفت مشاريع التخفيف الفيضاني وقنوات الري (مثل مهرب الجهاد الفيضاني) لتخدم ما يمكن تسميته بـ«الإقطاع المائي»، وتحولت فعلياً إلى مشاريع ري خاصة، كما حدث في مشاريع حماية مدينة الكوت.

استراتيجية المواجهة تتطلب تفكيك «اقتصاد التجاوز» عبر:

  • قرار سياسي حازم مدعوم بإرادة أمنية لإزالة التجاوزات فوراً، خصوصاً داخل حدود خط التهذيب الجديد في المدن الكبرى (بغداد، الكوت).
  • تحصين المرجعيات الفنية بتفعيل المرحلة الثانية من خطة خط التهذيب، عبر تشريع يجرّم التجاوز ويمنح خط التهذيب أولوية تخطيطية وعقارية مطلقة.
  • ربط خرائط خط التهذيب رقمياً بالدوائر العقارية لمنع إصدار سندات أو تراخيص مخالفة.
  • تفعيل المساءلة الجنائية لملاحقة المتجاوزين، وكذلك الموظفين والمسؤولين الذين شرعنوا المخالفات.

إن مستقبل العراق المائي لن يكون آمناً ما دامت إدارة المياه تعاني سكوناً إدارياً وقانونياً مؤسسياً، وتكتفي بمقاضاة صغار المزارعين، بدلاً من مواجهة المتنفذين الذين يهددون سلامة المدن مقابل أرباح غير مشروعة.