ما الذي يعني ترشيح نوري المالكي أمنيًا وعسكريًا للعراق؟

إنماز نيوز –  يمثل ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة محطة مهمة تتطلب تحليلًا دقيقًا من زاوية الأمن والدفاع، بعيدًا عن الانفعالات السياسية. فالمرحلة الحالية التي يمر بها العراق مليئة بالتحديات الإقليمية والدولية، إلى جانب التهديدات الداخلية المتنوعة، ما يجعل تقييم أي قيادة محتملة من منظور أمني وعسكري ضرورة استراتيجية.

من الناحية الأمنية، يمتلك المالكي خبرة طويلة في إدارة الدولة في أوقات الأزمات. فقد واجه خلال ولايتيه الأولى (2006–2014) موجات عنف طائفية وإرهاب داخلي وانهيار جزئي للمؤسسات الأمنية، ما أتاح له فهمًا معمقًا لبنية التهديدات الداخلية وكيفية مواجهتها. هذه الخبرة تمنحه ميزة واضحة في قراءة خريطة الجماعات المسلحة، وتحليل نقاط قوتها وضعفها، وتحديد أولويات بناء الأجهزة الأمنية بما يتوافق مع تهديدات اليوم، حتى مع اختلاف طبيعة البيئة الأمنية الحالية عن تلك المرحلة السابقة.

عسكريًا، ارتبطت فترة حكم المالكي بمحاولات إعادة بناء القوات المسلحة والشرطة بعد سنوات من التفكك والفوضى، بما في ذلك إعادة تنظيم القيادات، وتطوير الخطط التدريبية، وفرض سلطة الدولة على مناطق كانت خارجة عن السيطرة. ورغم الأخطاء التي رافقت تلك المرحلة، فإن التجربة العلمية في إدارة الملف العسكري، وخصوصًا التعامل مع المليشيات والجماعات المسلحة المتنوعة، تمنح المالكي قدرة على اتخاذ قرارات عسكرية مدروسة في حال استدعيت، مع مراعاة الاعتبارات السياسية والأمنية المعقدة في آن واحد.

من زاوية الاستقرار الداخلي، ترشيح المالكي قد يعزز قدرة الدولة على توحيد أجهزة الأمن واتخاذ سياسات أكثر حسمًا تجاه أي تهديدات مسلحة، سواء كانت إرهابية، محلية أو مدعومة إقليميًا. كما أن عودته إلى منصب رئاسة الحكومة قد توفر استمرارية في السياسات الأمنية والعسكرية، وهو عامل مهم لتجنب الفوضى التي غالبًا ما تنشأ عند تغيير القيادة في بيئة معقدة مثل العراق.

على الصعيد الإقليمي، المالكي يمتلك شبكة علاقات واسعة مع القوى الإقليمية والدولية، وهو ما قد يتيح له إدارة الملفات العسكرية والأمنية بعقلانية، بعيدًا عن الانزلاق نحو صراعات غير محسوبة. قدرة الحكومة على التنسيق مع القوى الكبرى، وخصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخبارية، ستعتمد بشكل كبير على الخبرة السياسية والأمنية لرئيس الحكومة، وهنا تتجلى أهمية تجربة المالكي الطويلة في هذا المجال.

من منظور استراتيجي، يمكن النظر إلى ترشيح المالكي على أنه مؤشر على رغبة القوى السياسية في العودة إلى قيادة تعرف التعقيدات الأمنية والعسكرية جيدًا، وتتمتع بالقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة عند الضرورة. هذا لا يعني أن التحديات لن تكون كبيرة، بل على العكس، فالإرهاب، والصراعات السياسية الداخلية، وضغوط المجتمع الدولي، كلها عناصر تتطلب قيادة ذات خبرة مسبقة في إدارة الأزمات.

وفيما يخص إعادة بناء القوات المسلحة وتطوير خطط الدفاع الوطني، يمكن لتجربة المالكي السابقة أن تكون قاعدة لتفعيل برامج تدريبية واستراتيجية لمواجهة تهديدات المستقبل، مثل الإرهاب المتطرف، والتهديدات السيبرانية على البنى التحتية الحيوية، وكذلك تعزيز التعاون بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المدنية لضمان تنسيق كامل وفعال.

فإن ترشيح نوري المالكي لا يمكن النظر إليه من زاوية الانقسام السياسي وحده، بل من منظور أمني وعسكري، حيث تمثل خبرته الطويلة في إدارة الأزمات، وقدرته على التعامل مع التهديدات المعقدة، واستمراريته في السياسات الأمنية والعسكرية، عناصر إيجابية يمكن أن تمنح العراق فرصة لإرساء استقرار نسبي، وتقوية بنيته الدفاعية، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية بطريقة عقلانية ومدروسة.