علي كريم إذهيب – في نهاية كل شهر، لا ينتظر آلاف الموظفين في العراق موعد استلام رواتبهم بقدر ما ينتظرون خبراً يبدد القلق المتكرر من احتمال تأخيرها. لقد تحوّل الراتب، وهو أبسط استحقاق وظيفي يكفله القانون والدستور، إلى ملف إشكالي يخضع للتأجيل والتبرير، في وقت يُفترض فيه أن تكون الوظيفة العامة مصدر استقرار اجتماعي لا عامل توتر دائم.
المفارقة الصارخة أن هذا القلق لا يشمل جميع العاملين في الدولة، بل يقتصر على شريحة الموظفين من ذوي الدخل المحدود، فيما تُصرف رواتب الرئاسات الثلاث، وأعضاء مجلس النواب، وأصحاب الدرجات الخاصة، فضلاً عن رواتب رفحاء، بانتظام ودون انقطاع. هذا التباين لا يثير تساؤلات مالية فحسب، بل يفتح باباً واسعاً للنقاش حول العدالة الاجتماعية، وأولويات الدولة، ومعاييرها في إدارة الأزمات.
الموظف الذي يتأخر راتبه هو نفسه من يُطلب منه الالتزام بالدوام، وتنفيذ التعليمات، وخدمة المواطنين، والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة في أصعب الظروف. وهو موظف لا يمتلك مصادر دخل بديلة، ولا مخصصات استثنائية، ولا امتيازات تحميه من تقلبات السوق وارتفاع الأسعار، بل يعتمد اعتماداً شبه كامل على راتبه الشهري لتأمين الاحتياجات الأساسية لعائلته، من سكن وغذاء ودواء وتعليم. وعندما يتأخر هذا الراتب، تتعطل دورة حياته بالكامل، وتتراكم عليه الديون، وتتآكل كرامته بصمت.
في المقابل، تحاط رواتب وامتيازات الطبقة السياسية والتنفيذية العليا بسياج محكم من الحماية، وكأن المساس بها يمثل تهديداً لبنية الدولة ذاتها. فهذه الرواتب، المرتفعة قياساً بمستوى الدخل العام، تُصرف دون تأخير، وتُرفق بمخصصات متعددة تشمل الحمايات والسكن والنقل والسفر، إضافة إلى امتيازات تقاعدية مريحة. وكل ذلك يُموَّل من الخزينة العامة نفسها التي تُعلن عجزها عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها.
إن كانت الأزمة المالية التي تتحدث عنها الحكومة أزمة حقيقية، فمن المنطقي أن تنعكس آثارها على الجميع دون استثناء، وأن تبدأ إجراءات التقشف من الأعلى قبل الأدنى. أما أن يُطلب من الموظف البسيط وحده تحمّل تبعات العجز، في حين تبقى الامتيازات العليا بمنأى عن أي مساس، فذلك لا يمكن تفسيره إلا بوصفه خللاً بنيوياً في مفهوم العدالة والمواطنة المتساوية.
ولا يقتصر أثر هذا النهج على الجانب المعيشي فحسب، بل يمتد ليضرب الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي تعجز عن ضمان راتب موظفها في موعده، تفقد تدريجياً قدرتها على مطالبة هذا الموظف بالإخلاص والانتماء. كما أن استمرار التمييز في توزيع الأعباء يعمّق الشعور بالغبن، ويعزز القناعة بأن الدولة تُدار لصالح فئة محددة، لا وفق مبدأ المصلحة العامة.
إن معالجة الأزمة المالية، إن وُجدت، لا تبدأ بتأخير الرواتب، بل بإصلاح منظومة الإنفاق العام، ومراجعة سلم الرواتب، وتقليص الامتيازات غير المبررة، ومكافحة الهدر والفساد، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة. فالدولة التي تحترم نفسها تبدأ الإصلاح من الأعلى، لا من جيوب موظفيها.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل العجز المالي في العراق أزمة موارد، أم أزمة إدارة وعدالة؟ فحين يجوع الموظف، وتنتفخ امتيازات المسؤول، لا تكون المشكلة في قلة المال، بل في كيفية توزيعه، وفي غياب الإرادة السياسية لإقامة دولة تقوم على الإنصاف لا الامتياز.

