علي قاسم – كاتب و إعلامي عراقي
في لحظة تاريخية فارقة أعادت تشكيل معادلات القوة في الشرق الأوسط، تقف دول الخليج أمام سؤال وجودي يتعلق بمفهوم الأمن القومي وحدود الاعتماد على الحماية الخارجية، خصوصاً بعد الحرب الأمريكية–الإيرانية الأخيرة التي كشفت عن ثغرات بنيوية في منظومة الردع التقليدية، وفرضت على هذه الدول إعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي والدولي وفق مقاربات أكثر استقلالية ومرونة.
لقد تأسس مفهوم الأمن القومي الخليجي على ما يمكن تسميته بـ(المعادلة الثلاثية): الثروة النفطية مقابل الحماية الغربية، والتهديد الإقليمي مقابل الردع الأمريكي، والاستقرار الداخلي مقابل المظلة الأمنية الخارجية. غير أن هذه المعادلة تعرضت لاختبار قاسٍ خلال الحرب الأخيرة، حيث أظهرت أن استضافة القواعد العسكرية الأمريكية لم تعد ضمانة مطلقة للأمن، بل تحولت إلى مصدر تهديد مباشر، إذ أصبحت هذه القواعد أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، رغم وجود أنظمة دفاع متقدمة.
هذا التحول يعكس ما يُعرف بـ(فشل الردع المركب)، حيث لم تنجح القوة العسكرية الأمريكية، رغم تفوقها، في منع إيران من نقل المعركة إلى العمق الخليجي عبر استهداف القواعد الأمريكية والمصالح الخاصة بها، بل إن الاستراتيجية الإيرانية انتقلت من الردع إلى الإكراه المباشر عبر ضرب الاقتصاد، وهو ما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة وتهديد صادرات الطاقة التي تشكل العمود الفقري لاقتصادات الخليج.
الأخطر من ذلك أن الحرب كشفت محدودية القدرة الأمريكية على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، من خلال عدم القضاء على القدرات الإيرانية، ولا تغيير النظام، كما لم يتم إنهاء النفوذ الإقليمي لطهران، وهو ما عزز الانطباع داخل العواصم الخليجية بأن الاعتماد على واشنطن لم يعد خياراً آمناً، خاصة مع تذبذب القرارات السياسية الأمريكية وتغير أولوياتها العالمية.
وفي هذا السياق، تشير الوقائع إلى أن دول الخليج بدأت فعلياً بإعادة تقييم عقيدتها الأمنية، والانتقال إلى نموذج (تنويع الشركاء الأمنيين)، حيث برزت توجهات نحو بناء شراكات مع قوى إقليمية مثل باكستان وتركيا، إلى جانب قوى دولية أخرى، في محاولة لخلق توازن جديد يحد من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
إن طرح باكستان كخيار استراتيجي لا يأتي من فراغ؛ فهي الدولة الإسلامية النووية الوحيدة، وتمتلك خبرة عسكرية كبيرة وعلاقات تاريخية مع دول الخليج، خصوصاً السعودية، ما يجعلها مرشحاً لأن تكون جزءاً من مظلة ردع نووي غير معلن، أو على الأقل شريكاً في إعادة بناء مفهوم الردع التقليدي. أما تركيا، فهي تمتلك جيشاً قوياً وخبرة عملياتية واسعة، إضافة إلى عضويتها في حلف الناتو، ما يمنحها موقعاً فريداً يجمع بين البعد الإقليمي والارتباط بالمنظومة الغربية، وهو ما قد يدفع باتجاه تشكل محور أمني جديد يضم دول الخليج مع تركيا وباكستان، وربما دولاً أخرى، كإطار بديل، وهو ما يُسمى في بعض الأدبيات بـ(التحالفات المرنة متعددة المستويات)، التي تقوم على توزيع المخاطر وتعدد مصادر الحماية.
غير أن هذا التحول لا يعني نهاية الدور الأمريكي في المنطقة، بل يشير إلى تحوله إلى (شريك ضمن شبكة)، حيث ستظل الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً بحكم قدراتها العسكرية وانتشار قواعدها، لكنها لم تعد قادرة على احتكار الأمن الخليجي كما في السابق، خاصة في ظل تصاعد التنافس الدولي وتراجع الاستعداد الأمريكي للانخراط في حروب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط.
في المحصلة، يمكن القول إن الخليج يتجه نحو مرحلة إعادة تشكل استراتيجي عميق، عنوانها الأبرز هو الانتقال من الاعتماد إلى التوازن، ومن الحماية إلى الشراكة. هذه التحولات لا تعني فقط تغيير التحالفات، بل إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ذاته، ليشمل إلى جانب البعد العسكري الأمن الاقتصادي والتكنولوجي وسلاسل الإمداد، في عالم لم يعد فيه التفوق العسكري وحده كافياً لضمان الاستقرار.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستبقى أمريكا في الخليج؟ بل: بأي صيغة ستبقى؟ ومن سيشاركها هذا الدور؟ وكيف ستعيد دول الخليج صياغة موقعها بين القوى الكبرى والإقليمية في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية؟

