بغداد – شبكة إنماز نيوز
يدخل العراق مرحلة سياسية حساسة تتقاطع فيها الاستحقاقات الدستورية مع التحولات الإقليمية المتسارعة، في ظل بيئة داخلية تعاني من الانقسام وضعف الثقة بين القوى السياسية. ومع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، تتجه الأنظار نحو ملف تشكيل الحكومة بوصفه الاختبار الحقيقي لقدرة النظام السياسي على إنتاج سلطة تنفيذية مستقرة. غير أن هذا المسار لا يبدو معزولًا عن تأثيرات الصراعات الإقليمية، ولا عن التنافسات الداخلية التي ما تزال تحكمها حسابات النفوذ أكثر من معايير الكفاءة. وبين النصوص الدستورية والواقع السياسي، يبرز سؤال جوهري: هل ينجح العراق هذه المرة في كسر حلقة التعطيل؟
وشهدت الأيام القليلة الماضية انعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، والتي أسفرت عن اختيار نزار أميدي في أجواء اتسمت بالتوافق الحذر بين الكتل السياسية. ورغم أن الجلسة عُدّت خطوة مهمة نحو استكمال الاستحقاقات الدستورية، إلا أنها لم تخلُ من رسائل سياسية متبادلة بين الأطراف المختلفة، عكست استمرار حالة الانقسام. انتخاب الرئيس جاء بعد سلسلة من التأجيلات والتفاهمات المعقدة، ما يعكس طبيعة العملية السياسية في العراق التي غالبًا ما تخضع لمنطق التسويات. ومع ذلك، فإن أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تمهد دستوريًا لبدء مسار تكليف رئيس الوزراء.
وبحسب الدستور العراقي، وتحديدًا المادة (76)، فإن رئيس الجمهورية ملزم بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل الحكومة خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخابه. هذه المهلة تُعد إطارًا زمنيًا حاسمًا لضمان عدم إطالة الفراغ السياسي، لكنها في الواقع كثيرًا ما تُفسَّر بمرونة تبعًا للخلافات السياسية. كما أن تحديد “الكتلة الأكبر” غالبًا ما يكون محل جدل، ما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة وتأخير في التكليف. وبالتالي، فإن النص الدستوري، رغم وضوحه، يصطدم في التطبيق بواقع سياسي معقد يعيق الالتزام الصارم بالجداول الزمنية.
تشير مصادر سياسية لـ«إنماز نيوز»، إلى أن نوري المالكي ما زال متمسكًا بترشيحه لرئاسة الحكومة، في إطار سعيه للعودة إلى الواجهة التنفيذية مستفيدًا من شبكة تحالفاته داخل المشهد السياسي. هذا الإصرار يثير جدلًا واسعًا، لا سيما في ظل مواقف دولية سابقة متحفظة على عودته، من بينها اعتراضات صدرت خلال إدارة دونالد ترامب التي كانت ترى أن سياساته قد تعمق الانقسام الداخلي. وبين الدعم الداخلي والتحفظ الخارجي، يبقى ترشيح المالكي أحد أبرز نقاط الخلاف التي قد تعرقل عملية التوافق على رئيس الحكومة المقبل.
وتلقي التوترات الإقليمية، خاصة في ظل التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بظلالها على المشهد العراقي. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي، يتأثر بشكل مباشر بهذه الصراعات، سواء من خلال الضغوط السياسية أو الانعكاسات الأمنية. هذا الواقع ينعكس بدوره على عملية تشكيل الحكومة، حيث تميل بعض القوى إلى التريث بانتظار اتضاح مآلات الصراع، بينما تسعى أطراف أخرى إلى استثمار الظرف لتعزيز نفوذها. وفي ظل هذا التداخل، يصبح القرار السياسي العراقي أقل استقلالية، وأكثر ارتباطًا بتوازنات إقليمية معقدة.
عند قراءة المشهد بشكل شامل، يتضح أن أزمة تشكيل الحكومة في العراق ليست مجرد خلاف على أسماء، بل هي انعكاس لبنية سياسية قائمة على المحاصصة والتوازنات الهشة. انتخاب رئيس الجمهورية يمثل خطوة إجرائية مهمة، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة المتمثل في غياب مشروع سياسي موحد. كما أن تمسك شخصيات مثيرة للجدل بترشيحها يعكس استمرار عقلية إعادة تدوير السلطة، بدل الدفع نحو تجديد النخب.
إقليميًا، لا يمكن فصل ما يجري في العراق عن سياق الصراع الأوسع، إذ إن القوى المحلية غالبًا ما ترتبط بمحاور خارجية، ما يجعل عملية تشكيل الحكومة ساحة لتقاطع المصالح الدولية. هذا الأمر يضعف من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة، ويؤخر في الوقت نفسه ولادة حكومة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
يبدو أن العراق أمام اختبار جديد: إما الاستمرار في نمط الأزمات المتكررة، أو استثمار اللحظة لإحداث تحول حقيقي في إدارة السلطة. غير أن المؤشرات الحالية ترجّح استمرار التعقيد، ما لم تتوفر إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو رؤية وطنية أكثر شمولًا.

