هل يختنق اقتصاد العراق بالدولار؟

علي كريم إذهيب – صحافي وباحث اقتصادي

في اقتصادٍ يعتمد بشكلٍ شبه كامل على العوائد النفطية، لا يُعدّ الدولار مجرد عملة أجنبية، بل هو العمود الفقري الذي ترتكز عليه الدورة المالية في العراق. لذلك، فإن أي حديث لو كان افتراضياً عن توقف تدفق الدولار الناتج عن بيع النفط، يثير قلقاً مشروعاً حول استقرار السوق، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها.

السيناريو الذي يتداول: ماذا لو منعت الولايات المتحدة تحويل إيرادات النفط العراقي بالدولار إلى بغداد؟ نظرياً، تمر عائدات النفط العراقي عبر النظام المالي العالمي، وتحديداً عبر حسابات خاضعة لإشراف أمريكي. هذا يعني أن أي قيود على التحويلات ستنعكس فوراً على السيولة الدولارية داخل العراق، ما يضع البنك المركزي أمام اختبار صعب في إدارة الاحتياطيات.

لكن قبل الانزلاق إلى سيناريوهات قصوى، يأتي تصريح المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، ليضع الأمور في إطار أكثر هدوءاً. إذ يؤكد أن “توقف تدفق الدولار من الولايات المتحدة إلى العراق يتعلق بجزئية محدودة جداً وسببه يعود إلى صعوبة شحن النقود جواً بسبب ظروف الطيران في المنطقة”. هذا التصريح لا ينفي وجود خلل، لكنه يعيد توصيفه من أزمة هيكلية إلى مشكلة لوجستية مؤقتة.

اقتصادياً، الفرق بين الحالتين جوهري. فالتقييد السياسي أو المالي لتدفق الدولار يعني أزمة ثقة، بينما التعطيل اللوجستي يعني أزمة وقت.

لو افترضنا السيناريو الأول: أي تقييد فعلي على تدفق الدولار—فإن أولى التداعيات ستظهر في سوق الصرف. سيزداد الطلب على الدولار مقابل الدينار، ما يدفع سعر الصرف في السوق الموازية إلى الارتفاع. هذا بدوره سينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، التي تشكل نسبة كبيرة من استهلاك العراقيين، ما يعني تضخماً مستورداً يضغط على القدرة الشرائية للمواطن.

أما على مستوى السياسة النقدية، فسيضطر البنك المركزي إلى استخدام احتياطياته من العملة الصعبة لضبط السوق، عبر مزاد العملة أو أدوات أخرى. لكن استمرار هذا الضغط لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطي، أو على الأقل تقليص هامش المناورة لدى صانع القرار النقدي.

القطاع المصرفي أيضاً لن يكون بمنأى عن التأثير. إذ تعتمد المصارف العراقية بشكل كبير على الدولار في تسوية المدفوعات الخارجية، وتمويل التجارة. أي شحّ في العملة الصعبة سيؤدي إلى تباطؤ في فتح الاعتمادات المستندية، وتأخير في الاستيراد، وربما ارتفاع في تكاليف التمويل.

في المقابل، إذا أخذنا بتفسير مستشار الحكومة العراقية للشؤون المالية الدكتور مظهر محمد صالح، فإن المشكلة تبقى ضمن نطاق محدود. صعوبة شحن النقد جواً تعني أن الدولار موجود حسابياً، لكنه لا يصل فعلياً إلى السوق بالسرعة المطلوبة. هنا، يمكن للبنك المركزي أن يعوض النقص مؤقتاً عبر أدوات داخلية، مثل إعادة توزيع السيولة، أو استخدام القنوات المصرفية الإلكترونية بدلاً من النقد الورقي.

لكن حتى في هذا السيناريو “المطمئن نسبياً”، هناك أثر نفسي لا يمكن تجاهله. السوق العراقية حساسة جداً لأي إشارات تتعلق بالدولار، وسرعان ما تتحول المخاوف إلى مضاربات. التجارب السابقة أظهرت أن الشائعات وحدها قادرة على رفع سعر الصرف، حتى دون وجود نقص حقيقي في المعروض.

من زاوية أوسع، تكشف هذه القضية عن هشاشة البنية الاقتصادية للعراق. الاعتماد المفرط على النفط، وعلى الدولار تحديداً، يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية، سواء كانت سياسية، مالية، أو حتى لوجستية كما في الحالة الحالية. وهذا يعيد طرح سؤال قديم متجدد: إلى متى يبقى العراق اقتصاداً ريعياً مرتبطاً بعملة واحدة؟

الحلول ليست آنية، لكنها واضحة نظرياً. تنويع مصادر الدخل، تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير القطاع المصرفي، كلها مسارات تقلل من الاعتماد على الدولار. كذلك، فإن التحول نحو الدفع الإلكتروني وتقليل التداول النقدي يمكن أن يخفف من أثر أي اضطرابات في شحن العملة.

لا يبدو أن العراق أمام أزمة دولارية حقيقية في الوقت الراهن، وفق التصريحات الرسمية. لكن مجرد طرح هذا السيناريو يكشف حجم القلق الكامن في بنية الاقتصاد. وبين سيناريو “المنع” وسيناريو “التأخير”، يبقى العامل الحاسم هو الثقة—ثقة السوق بالإجراءات الحكومية، وثقة المواطن باستقرار عملته.

وفي اقتصادٍ مثل العراق، الثقة ليست تفصيلاً… بل هي كل شيء.