علي كريم إذهيب – صحافي وباحث في الشأن الاقتصادي
في الأول من أيار من كل عام، يحتفل العالم بـ«عيد العمال العالمي» بوصفه مناسبة لتكريم الطبقة العاملة والاعتراف بدورها في بناء الاقتصادات وتحريك عجلة الإنتاج. غير أن هذا اليوم في العراق يمرّ غالباً بطابع رمزي أكثر منه احتفالياً، في ظل واقع اقتصادي معقّد يجعل من “الفرح العمالي” سؤالاً مفتوحاً أكثر من كونه حقيقة قائمة.
فعلى الورق، يبدو المشهد قابلاً للقراءة بالأرقام، لكن خلف هذه الأرقام تتكشف فجوة عميقة بين الإمكانات والواقع. إذ تشير أحدث التقديرات إلى أن معدل المشاركة في القوى العاملة في العراق يتراوح بين 39% و40% فقط، وهي نسبة تُعد منخفضة مقارنة بالمعايير العالمية التي غالباً ما تتجاوز 55–60%. هذا يعني ببساطة أن أقل من نصف السكان في سن العمل يشاركون فعلياً في النشاط الاقتصادي، وهو مؤشر على خلل هيكلي في سوق العمل.
أرقام تعكس الواقع
عند تفكيك هذا الرقم، تظهر صورة أكثر تعقيداً. فالعراق، الذي يقترب عدد سكانه من 46 مليون نسمة، يمتلك شريحة واسعة في سن العمل، لكن جزءاً كبيراً منها خارج سوق العمل لأسباب متعددة، تتراوح بين ضعف الفرص، وغياب القطاع الخاص الفعّال، وارتفاع الاعتماد على التوظيف الحكومي.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز رقم آخر لا يقل أهمية: عدد العاطلين عن العمل في العراق خلال 2025 يتراوح بين 1.4 إلى 1.7 مليون شخص.
هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية، بل يعكس تحدياً اقتصادياً واجتماعياً عميقاً، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن البطالة تتركز بشكل أكبر بين الشباب والخريجين، ما يعني أن الفئات الأكثر طاقة وإنتاجية هي نفسها الأكثر تهميشاً في سوق العمل.
بين الرمزية والواقع
في العديد من دول العالم، يتحول عيد العمال إلى مناسبة للاحتفال بالإنجازات الاقتصادية وتحسين ظروف العمل. أما في العراق، فيبدو أن المناسبة أقرب إلى محطة لتذكير صانع القرار بحجم الفجوة بين السياسات الاقتصادية واحتياجات السوق.
فالاقتصاد العراقي لا يزال يعتمد بشكل كبير على القطاع النفطي، الذي لا يوفر فرص عمل واسعة مقارنة بحجمه المالي. وفي المقابل، يعاني القطاع الخاص من تحديات هيكلية، من بينها ضعف التمويل، والبيروقراطية، وغياب البيئة الاستثمارية المستقرة، ما يحد من قدرته على استيعاب الأيدي العاملة.
أين تكمن المشكلة؟
من منظور اقتصادي، يمكن تفسير انخفاض معدل المشاركة في القوى العاملة بعدة عوامل مترابطة:
1. هيمنة القطاع العام: حيث يُنظر إلى الوظيفة الحكومية كخيار أول، ما يقلل الحافز للانخراط في القطاع الخاص.
* ضعف مشاركة النساء: وهو عامل رئيسي يخفض المعدل العام للمشاركة.
2. اقتصاد ريعي: يعتمد على النفط أكثر من اعتماده على الإنتاج الحقيقي، ما يخلق فجوة بين النمو الاقتصادي وفرص العمل.
3. اختلال التعليم وسوق العمل: حيث لا تتطابق مخرجات التعليم مع احتياجات السوق.
هذه العوامل مجتمعة تفسر لماذا لا ينعكس أي تحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية الكلية بشكل مباشر على سوق العمل.
هل هناك ما يدعو للاحتفال؟
رغم هذا الواقع، لا يمكن إنكار وجود بعض المؤشرات الإيجابية، مثل محاولات الحكومة دعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع الاستثمار، وإطلاق برامج تدريبية للشباب. لكن هذه الجهود لا تزال محدودة التأثير، ولم تصل بعد إلى مستوى إحداث تحول حقيقي في بنية سوق العمل.
لذلك، فإن “فرحة” عيد العمال في العراق تبقى نسبية. فهي موجودة لدى من يمتلك وظيفة مستقرة، لكنها غائبة أو منقوصة لدى شريحة واسعة تبحث عن فرصة عمل أو تعاني من هشاشة وظيفية.
عيد العمال في العراق ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو مرآة تعكس واقع الاقتصاد وسوق العمل. الأرقام واضحة:
1. مشاركة محدودة في القوى العاملة (39–40%)
2. بطالة تصل إلى نحو 1.5 مليون شخص
وبين هذين الرقمين، تتشكل قصة الاقتصاد العراقي اليوم.
في هذا السياق، يصبح التحدي الحقيقي ليس في الاحتفال بالمناسبة، بل في تحويلها إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في السياسات الاقتصادية، وبناء سوق عمل أكثر شمولاً وعدالة. فالعامل العراقي لا يحتاج فقط إلى يوم يُحتفى به، بل إلى اقتصاد يمنحه فرصة حقيقية للعمل والإنتاج والعيش الكريم.
وعندها فقط… يمكن أن يتحول الأول من أيار من مناسبة رمزية إلى عيد حقيقي.

