أسراء الجوراني – كاتبة عراقية
من أبرز أسباب فشل المسؤول في إدارة شؤون الناس — وقد تصل إلى ما يقارب 80% — لا تتعلق بقراراته المباشرة بقدر ما ترتبط بطريقة إدارة من حوله، أو ما يُعرف بـ“الحاشية”. هذه الدائرة التي يُفترض أن تكون مصدر دعم وخبرة، تتحول في كثير من الأحيان إلى عامل إضعاف حقيقي ينعكس سلبًا على الأداء والنتائج.
الحاشية هي المجموعة الأقرب للمسؤول، تنقل له الصورة، وتساهم في ترتيب أولوياته، وأحيانًا تؤثر بشكل مباشر في قراراته. لكن الإشكالية لا تكمن في وجود هذه الدائرة، بل في طريقة اختيارها.
في كثير من الحالات، لا تُبنى الحاشية على أساس الكفاءة أو الاختصاص، بل تتشكل من:
- أقارب المسؤول
- شخصيات مدعومة أو مفروضة من جهات سياسية
- أفراد يفتقرون إلى الخبرة الإدارية
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
أنماط الحاشية السلبية
يمكن ملاحظة تكرار عدة نماذج داخل هذه الدائرة:
المتملق:
ينقل ما يُرضي المسؤول، ويتجنب طرح أي نقد حقيقي.
المنافق:
يُجمّل الواقع ويُخفي الإخفاقات، ما يؤدي إلى صورة غير دقيقة عن الوضع.
صاحب المصالح:
يستثمر قربه من المسؤول لتحقيق مكاسب شخصية أو توسيع نفوذه.
عديم الخبرة:
يشارك في بيئة القرار دون امتلاك أدوات الفهم أو التقييم.
تضخيم الواقع وإضعاف القرار
من أخطر ما تفعله الحاشية هو تضخيم الأعمال الروتينية وتقديمها كإنجازات كبيرة.
فالكتب الإدارية اليومية — مثل طلبات الخدمات، مشاريع البنى التحتية، أو نقل الموظفين — يتم تصويرها بشكل مبالغ فيه، ما يمنح المسؤول انطباعًا غير واقعي عن مستوى الأداء.
هذا الأسلوب لا يعزز النجاح، بل يخلق فجوة بين المسؤول والواقع، ويؤدي إلى قرارات مبنية على تقديرات غير دقيقة.
بين “السرية” والواقع
غالبًا ما يتم تبرير هذه الدائرة بحجج تتعلق بالسرية أو الخشية من التدخلات.
لكن الواقع يشير إلى أن معظم العمل داخل المؤسسات هو عمل إداري وخدمي، لا يتطلب هذا المستوى من الانغلاق.
أما الملفات الحساسة فعلًا، فتُدار بشكل مباشر وفي نطاقات محددة، ولا تعتمد على هذه الدائرة الواسعة.
وجود الحاشية ليس المشكلة، بل نوعيتها.
المسؤول الذي يحيط نفسه بأشخاص يفتقرون إلى الكفاءة أو يميلون إلى التملق، يضعف قدرته على رؤية الواقع بوضوح، ويحد من فاعلية قراراته.
في المقابل، الحاشية المهنية والصادقة قادرة على دعم النجاح، لأنها تنقل الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
ورغم الصورة السائدة، هناك عدد قليل من المسؤولين اختاروا الاعتماد على أصحاب الاختصاص والكفاءة، بعيدًا عن المجاملة والضغوط، فتمكنوا من تحقيق نجاح ملموس في العمل السياسي والإداري.
هؤلاء أثبتوا أن القرار الصحيح يبدأ من اختيار الفريق الصحيح.
المسؤول الناجح لا يبحث عمّن يوافقه دائمًا، بل عمّن يضع أمامه الصورة الكاملة.

