ازهاق الأرواح… هل هو غسلٌ للعار أم هو العار بعينه ؟

قاسم الطائي – كاتب عراقي

في إحدى زوايا هذا الوطن، حيث تختلط التقاليد بصمت الخوف، سقطت طفلة… نعم، طفلة، لم تحمل من الدنيا سوى حلم صغير بالنجاة. لم ترتكب جريمة، لم تسرق، لم تؤذِ أحداً… كل ما فعلته أنها قالت: “لا أريد”.
لكن في قاموسٍ مشوّه، تحوّلت كلمة “لا” إلى تهمة، وتحول الحلم إلى ذنب، وتحولت الحياة إلى حكم بالإعدام.

قُتلت لأنها رفضت الزواج. قُتلت لأنها أرادت أن تعيش كما تشاء. قُتلت لأن البعض ما زال يظن أن الشرف يُحفظ بالدم، لا بالكرامة.

والأكثر إيلاماً… لم يكتفوا بالقتل، بل أقاموا الأهازيج، وكأنهم حققوا نصراً، وكأنهم غسلوا عاراً… بينما الحقيقة التي لا يريدون رؤيتها أن العار لم يكن فيها، بل في الفعل ذاته.

يقول المثل الشعبي: “العيب مو باللي ينكسر… العيب باللي يكسر.”

وهنا، لم تُكسر إرادة طفلة فقط، بل كُسر معنى الإنسانية بأكمله.
أي شرف هذا الذي يُبنى على جسدٍ بريء؟

وأي رجولة تلك التي تخاف من قرار فتاة صغيرة؟

وأي مجتمع هذا الذي يصفّق للقتل، ويصمت أمام الظلم؟

إن جرائم ما يُسمى بـ“غسل العار” ليست سوى جريمة مضاعفة: جريمة بحق الضحية، وجريمة بحق القيم التي يدّعي مرتكبوها الدفاع عنها.

فالشرف لا يُفرض بالقوة، ولا يُحمى بالعنف، بل يُصان بالعدل، وباحترام الإنسان… إنساناً كان أم طفلاً.

هذه الطفلة لم تكن بحاجة إلى قاضٍ… كانت بحاجة إلى حضن.
لم تكن تستحق رصاصة… بل فرصة.

لكن حين يغيب الوعي، وتُستبدل الرحمة بالقسوة، يتحول البيت ، الذي يفترض أن يكون مأوى ، إلى ساحة تنفيذ حكم.

السكوت عن هذه الجرائم هو شراكة فيها.

وتبريرها هو إعادة إنتاج لها.

علينا أن نسأل أنفسنا، بصدق مؤلم: هل نريد مجتمعاً يحمي أبناءه… أم مجتمعاً يخاف منهم؟

في النهاية، لا يمكن لأي زغاريد أن تغطي صوت الحقيقة: العار لا يُغسل بالدم… بل يُصنع به!.