علي كريم إذهيب – صحافي وباحث اقتصادي
في السياسة يمكن أن تمنح الأغلبية البرلمانية الثقة خلال ساعات، لكن في الاقتصاد لا تُمنح الثقة بقرار أو تصويت، بل تُنتزع من الأسواق والمواطنين والمستثمرين وأصحاب الأعمال عبر الأفعال والنتائج. وبعد نيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي الثقة البرلمانية والتصويت على المنهاج الوزاري والكابينة الحكومية، تبدأ الآن المرحلة الأصعب: مرحلة اختبار الاقتصاد العراقي.
الحكومة الجديدة لا تستلم بلداً فقيراً بالموارد، لكنها تستلم اقتصاداً مثقلاً بالاختلالات. النفط ما يزال يشكل العمود الفقري للدولة، والقطاع الخاص ما يزال ضعيفاً، والاستثمار الصناعي يتحرك ببطء، فيما يقف الشباب في طوابير البطالة بانتظار فرصة حقيقية لا وظيفة مؤقتة.
التحدي أمام الزيدي ليس إدارياً فقط، بل اقتصادي وجودي؛ لأن السنوات المقبلة قد تكون فرصة تاريخية أو خسارة جديدة تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة.
أول الملفات وأكثرها إلحاحاً هو الملف المالي. المطلوب ليس مجرد إعداد موازنة جديدة أو زيادة الإنفاق الحكومي، بل إعادة تعريف فلسفة الإنفاق نفسها. العراق لم يعد بحاجة إلى موازنات ضخمة تستهلك الأموال في الرواتب والنفقات التشغيلية فقط، بل يحتاج إلى موازنات إنتاجية تصنع اقتصاداً مستداماً. السؤال لم يعد: كم تنفق الدولة؟ بل: ماذا تنتج الأموال التي تنفقها؟
كما أن الحكومة ستكون مطالبة بإدارة أكثر حذراً للعلاقة بين الإيرادات النفطية والإنفاق العام. الاعتماد شبه الكامل على النفط يجعل الاقتصاد العراقي رهينة تقلبات الأسواق العالمية. أي هبوط مفاجئ للأسعار يمكن أن يضع الدولة أمام أزمة مالية حقيقية، ولذلك فإن تنويع مصادر الإيرادات لم يعد شعاراً حكومياً متكرراً، بل ضرورة للبقاء.
أما صناعياً، فالعراق يمتلك قصة مؤجلة منذ عقود. المصانع الحكومية المتوقفة، والمدن الصناعية المتعثرة، واعتماد الأسواق على المستورد، كلها تجعل من الملف الصناعي ساحة اختبار حقيقية للحكومة الجديدة. المطلوب ليس افتتاح مصانع للاستهلاك الإعلامي، بل صناعة استراتيجية مرتبطة بحاجات السوق المحلي، وإعادة بناء سلاسل الإنتاج وتشجيع الصناعات التحويلية والغذائية والدوائية.
الحكومة مطالبة أيضاً بإنهاء فكرة أن الدولة وحدها هي المنتج الوحيد. في كل الاقتصادات الناجحة كانت الدولة تضع السياسات بينما يقود القطاع الخاص النمو. لذلك فإن المستثمر المحلي يحتاج اليوم إلى بيئة قانونية مستقرة، ونظام مصرفي مرن، وإجراءات أقل تعقيداً، وضمانات حقيقية لا وعوداً.
وفي القطاع المصرفي، ما يزال العراق يعيش فجوة كبيرة بين المواطن والنظام المالي. ملايين العراقيين يتعاملون نقداً خارج النظام المصرفي، ما يعني أن جزءاً ضخماً من الأموال يتحرك بعيداً عن الرقابة والتنمية. الإصلاح المالي الحقيقي يبدأ من تحديث القطاع المصرفي، وتوسيع الشمول المالي، وتحويل المصارف من مؤسسات تقليدية إلى أدوات تمويل وتنمية.
أما الملف السياحي، فهو واحد من أكثر القطاعات المظلومة اقتصادياً. العراق يمتلك مزيجاً استثنائياً من السياحة الدينية والأثرية والطبيعية، لكنه لم يحولها بعد إلى صناعة اقتصادية كبيرة. المطلوب هنا لا يقتصر على بناء الفنادق والطرق، بل صناعة منظومة سياحية متكاملة تبدأ من المطارات وتنتهي بالخدمات والبنية التحتية والترويج والاستثمار.
وفي الزراعة، لا يكفي الحديث عن دعم الفلاحين. العراق بحاجة إلى ثورة زراعية تعتمد التكنولوجيا الحديثة والإدارة المائية الذكية والتصنيع الزراعي. الأمن الغذائي لم يعد قضية تنموية فقط، بل تحول إلى قضية سيادية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة هو ملف التشغيل وفرص العمل. آلاف الخريجين يدخلون سنوياً إلى سوق العمل بينما تعجز الدولة عن استيعابهم. الاستمرار بسياسة التوظيف الحكومي لن يكون حلاً دائماً، بل ربما يتحول إلى عبء مالي إضافي. الحل الحقيقي يبدأ بخلق اقتصاد يولد فرص العمل لا قرارات التعيين.
في نهاية المطاف، لا يحتاج العراقيون اليوم إلى لغة أرقام كبيرة ولا شعارات واسعة. الناس تريد نتائج ملموسة: كهرباء مستقرة، وظائف، استثمارات، مصانع، خدمات، وتحسيناً في مستوى المعيشة.
التصويت داخل البرلمان منح الحكومة شرعية سياسية، لكن الاقتصاد وحده سيمنحها شرعية الشارع.
والسؤال الذي سيبدأ من الغد ليس: كم وزيراً حصل على الثقة؟ بل: هل ستنجح الحكومة في استعادة ثقة العراقيين باقتصادهم؟ وهل يستطيع علي الزيدي أن يقود معركة التنمية قبل أن تبتلعه تعقيدات السياسة؟
هذه هي البداية فقط. أما الاختبار الحقيقي فقد بدأ الآن.

