من البندقية إلى البورصة: كم يربح العراق إذا احتكرت الدولة السلاح؟

علي كريم إذهيب – صحافي وباحث اقتصادي

في الاقتصاد، ليست كل القرارات تُقاس بالموازنات والأرقام والضرائب. أحيانًا قرار سياسي–أمني واحد قادر على تغيير مزاج الأسواق أكثر من حزمة إصلاحات كاملة. وفي العراق، يبدو أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يدخل هذه المنطقة الحساسة؛ فهو لا يتعلق بالأمن وحده، بل يمتد إلى الاستثمار، والمخاطر، وثقة الشركات، وحتى نظرة العالم إلى الاقتصاد العراقي.

الحدث الأخير أضاف بُعدًا جديدًا للنقاش، بعدما أعلن زعيم التيار الشيعي، مقتدى الصدر، انفكاك سرايا السلام عن التيار الوطني الشيعي والتحاقها بالدولة. وجاء في البيان أن الخطوة تأتي “انطلاقًا من المصلحة العامة للوطن وتحاشيًا للمخاطر المحدقة به”، مع التأكيد على التحاق التشكيلات بالدولة بشكل كامل، وتحويل الجهات المدنية الملحقة بها إلى “البنيان المرصوص” من دون مقار أو سلاح أو زي أو عناوين مرتبطة بها.

سياسيًا، يمكن قراءة الخبر من زوايا متعددة. لكن اقتصاديًا، قد يكون السؤال الأهم مختلفًا تمامًا: كم يساوي حصر السلاح بالدولار؟

هذا السؤال ليس مبالغة صحفية. ففي الاقتصاد الحديث، هناك مؤشر غير مكتوب اسمه: درجة الاطمئنان. المستثمر لا يدخل إلى بلد لأنه يملك النفط فقط، ولا لأن عدد سكانه كبير، بل لأنه يعرف من يتخذ القرار ومن يحمي العقود ومن يفرض القانون.

العراق، رغم امتلاكه ثروات ضخمة، ظل لسنوات يواجه معادلة معقدة: موارد كبيرة، يقابلها إدراك مرتفع للمخاطر. شركات كثيرة تنظر إلى السوق العراقية كسوق واعدة، لكنها في الوقت نفسه تضع هامشًا مرتفعًا للمخاطر قبل اتخاذ أي قرار.

في لغة الأسواق، المخاطر تعني كلفة. وكلما زادت المخاطر ارتفع ثمن التمويل، وازدادت تكاليف التأمين، وارتفع سعر الفائدة، وأصبحت الشركات أكثر حذرًا.

شركة عالمية تريد إنشاء مصنع أو محطة كهرباء أو مشروع نقل في العراق لا تسأل أولًا عن سعر الأرض؛ غالبًا تسأل: هل البيئة مستقرة؟ من يحمي المشروع؟ وهل القرار الاقتصادي والأمني موحد؟

وهنا يدخل ملف حصر السلاح في قلب المعادلة الاقتصادية.

إذا نجحت الدولة فعليًا في ترسيخ مبدأ احتكار القوة، فإن ذلك لا يعني فقط استقرارًا أمنيًا؛ بل يعني تقليل ما يُعرف اقتصاديًا بـ”علاوة المخاطر”. وهذه العلاوة هي التكلفة الإضافية التي يدفعها بلد أو مشروع بسبب عدم اليقين.

النتيجة المباشرة قد تكون انخفاض كلف الاستثمار، وزيادة شهية الشركات الأجنبية، وتوسّع المشاريع طويلة الأمد.

الأمر لا يقف عند المستثمرين فقط. حتى وكالات التصنيف الائتماني الدولية تراقب هذه الملفات بعناية. التصنيف الائتماني لأي دولة لا يُبنى على النفط أو الإيرادات وحدها، بل على الاستقرار المؤسسي والسياسي والأمني أيضًا.

وعندما تتحسن صورة بلد أمنيًا ومؤسساتيًا، يصبح اقتراضه الخارجي أقل كلفة، وتتحسن شروط التمويل، وتزداد فرص جذب رؤوس الأموال.

بلغة أبسط: إذا انخفضت المخاطر، تقل فاتورة الدولة.

وفي حالة العراق، قد يبدو هذا التفصيل صغيرًا، لكنه مؤثر جدًا. لأن مليارات الدولارات لا تضيع فقط بسبب نقص الموارد، بل أحيانًا بسبب ارتفاع تكلفة القلق.

هناك جانب آخر لا يقل أهمية: القطاع الخاص المحلي.

كثير من رجال الأعمال العراقيين يحتفظون بأموالهم خارج الدورة الاقتصادية أو ينقلون استثماراتهم إلى أسواق مجاورة أكثر استقرارًا. السبب في أحيان كثيرة ليس نقص الفرص، بل الخوف من بيئة غير مستقرة أو غير واضحة المعالم.

وحين يشعر المستثمر المحلي أن الدولة أصبحت المرجع الوحيد للقوة، فإن حساباته تتغير. الأموال بطبيعتها تبحث عن الاستقرار قبل الأرباح.

لكن بالمقابل، تبقى الأسئلة الحقيقية مرتبطة بالتطبيق.

الاقتصاد لا يتفاعل كثيرًا مع البيانات والشعارات، بل مع الوقائع. الأسواق تنتظر ما إذا كانت هذه التحولات ستترجم إلى سياسات وإجراءات مستدامة أم تبقى مجرد رسائل سياسية.

لذلك فإن خبر التحاق سرايا السلام بالدولة قد يُقرأ اقتصاديًا بوصفه أكثر من تطور سياسي؛ ربما إشارة مبكرة إلى تحول أوسع في بيئة الأعمال العراقية.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال: هل سلّمت جهة سلاحها أم لا؟

السؤال الذي يشغل المستثمرين غالبًا أبسط وأكثر برودة:

هل أصبح العراق أقل كلفة من ناحية المخاطر؟

لأن الفرق بين اقتصاد يطارد الأزمات واقتصاد يجذب الأموال، قد يبدأ أحيانًا من قرار لا يُكتب في وزارة المالية… بل في معادلة الدولة نفسها.