د.مثنى إبراهيم الطالقاني – رئيس التحرير
في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، جاء إعلان زعيم التيار الوطني الشيعي السيد “مقتدى الصدر” بشأن فك ارتباط قوات “سرايا السلام” وتحويلها إلى التشكيلات العسكرية التابعة للدولة، ليشكّل حدثاً مفصلياً يمكن وصفه بأنه من أهم المبادرات الوطنية التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة. فهذه الخطوة لا تتعلق بمجرد إعادة تنظيم تشكيل مسلح، بل تحمل أبعاداً سياسية وأمنية ووطنية عميقة، تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها “هيبة الدولة” و”وحدة القرار الأمني”.
لقد عانى العراق طويلاً من ظاهرة تعدد مصادر السلاح والقرار، وهي ظاهرة أرهقت الدولة وأضعفت قدرتها على فرض القانون، كما فتحت الباب أمام التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، وجعلت البلاد في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن أي خطوة تتجه نحو حصر السلاح بيد الدولة تمثل انتصاراً لمفهوم السيادة، وانتصاراً للدستور، وانتصاراً لمصلحة الشعب العراقي الذي دفع أثماناً باهظة من أمنه واستقراره واقتصاده.
إعلان السيد الصدر لا يمكن قراءته بعيداً عن المزاج الشعبي العراقي الذي بات يطالب بدولة قوية تمتلك وحدها حق استخدام القوة وقرار الحرب والسلم. فالعراقيون، بعد سنوات من الحروب والإرهاب والانقسامات، يتطلعون إلى مرحلة جديدة يكون فيها الجيش والمؤسسات الأمنية الرسمية هي الجهة الوحيدة المخولة بحماية البلاد. وهذا ما نص عليه الدستور العراقي بشكل واضح عندما حصر مهمة حمل السلاح بالمؤسسات الرسمية التابعة للدولة.
كما أن هذه المبادرة تحمل دلالات رمزية كبيرة، خصوصاً أنها جاءت في توقيت يتزامن مع أجواء عيد الأضحى المبارك، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى “أضحية وطنية” وهدية سياسية للشعب العراقي، لأنها تعطي رسالة بأن المصلحة العليا للوطن يجب أن تتقدم على أي اعتبارات أخرى، وأن قوة الدولة فوق كل القوى والانتماءات.
ولعل أبرز ما يميز هذه الخطوة أنها تسحب الذرائع من أيدي أعداء العراق، الذين طالما استخدموا ملف السلاح المنفلت لتبرير استهداف السيادة العراقية أو التدخل في شؤون البلاد أو شن ضربات عسكرية داخل الأراضي العراقية بحجة وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة. فحين يكون القرار الأمني موحداً، وتكون المؤسسة العسكرية الرسمية هي صاحبة الكلمة العليا، فإن العراق سيكسب احترام المجتمع الدولي، وسيقدم نفسه كدولة مستقرة وقادرة على حماية حدودها ومؤسساتها.
التجارب الدولية تؤكد أن استقرار الدول يبدأ من احتكار الدولة للسلاح. ففي كثير من البلدان التي عانت من النزاعات، كانت الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الدولة هي دمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، وإنهاء ظاهرة القوى الموازية. والعراق اليوم بحاجة إلى هذا التحول التاريخي إذا أراد فعلاً أن يستعيد مكانته الإقليمية والدولية، وأن يتحول إلى بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية والإعمار.
اقتصادياً أيضاً، فإن أي مستثمر أو شركة عالمية تبحث أولاً عن عامل الاستقرار قبل ضخ الأموال في أي بلد. لذلك فإن إنهاء مظاهر السلاح خارج إطار الدولة سيعزز الثقة الدولية بالعراق، ويفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية كبرى، ويمنح الحكومة مساحة أوسع لبناء علاقات متوازنة مع العالم بعيداً عن التوترات الأمنية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لم تعد مقتصرة على جهة دون أخرى، بل باتت مسؤولية وطنية شاملة. فكما بادر السيد الصدر بهذه الخطوة، ينبغي على بقية الفصائل والتيارات المسلحة أن تتجه نحو المسار ذاته، وأن تدرك أن العمل السياسي لا يمكن أن يجتمع مع بقاء السلاح خارج سلطة الدولة. فلا يمكن الحديث عن دولة قوية في ظل ازدواجية القرار، ولا يمكن بناء مؤسسات مستقرة بينما توجد قوى تمتلك قرارها الأمني الخاص.
إن المرحلة الحالية تتطلب شجاعة وطنية وقرارات حاسمة، وعلى الحكومة العراقية برئاسة علي فالح الزيدي أن تستثمر هذا المناخ وتطلق مشروعاً وطنياً شاملاً لحصر السلاح بيد الدولة ضمن سقف زمني واضح ومحدد، مع فتح أبواب الدمج والاستيعاب القانوني ضمن القوات المسلحة الرسمية، وفي المقابل تطبيق القانون بحزم على كل من يرفض الانصياع لسلطة الدولة أو يتمسك بالسلاح خارج الأطر القانونية.
العراق اليوم يقف أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيراً. فرصة لكتابة صفحة جديدة عنوانها الدولة الواحدة، والقرار الواحد، والسلاح الواحد. وهو بلد يستحق أن يعيش مستقراً وآمناً، لما يمتلكه من إرث حضاري وإنساني وثروات هائلة وموقع استراتيجي مهم. وما بين مبادرة سياسية شجاعة وإرادة شعب يتطلع إلى الاستقرار، يبقى الأمل قائماً بأن يستعيد العراق صورته كدولة قوية موحدة قادرة على صناعة مستقبلها بعيداً عن الفوضى والانقسامات.

