د. محمد مهدي البغدادي/ أستاذ العلاقات الدولية-لبنان
منذ إعلان وقف إطلاق النار وخرق “إسرائيل” الدائم له، يتكرّر سؤال في بعض الأوساط اللبنانية وعلى منصات التواصل الاجتماعي: لماذا لا تتدخل إيران عسكرياً بصورة مباشرة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان؟ ولماذا لا تنخرط في مواجهة مفتوحة طالما أنها تعلن دعمها للمقاومة اللبنانية منذ عقود؟
السؤال مفهوم من الناحية الإنسانية والعاطفية. فالمجتمعات التي تتعرّض للحرب والدمار وتمزّقها مشاهد الشهداء والجرحى والبيوت المهدّمة تميل بطبيعتها إلى البحث عن تدخل حاسم وسريع يوقف النزيف. إلا أنّ فهم سلوك الدول والجماعات المسلحة في الحروب لا يتمّ عادة بمنطق العاطفة وحدها، بل يحتاج إلى قراءة تتعلق بموازين القوى وطبيعة الصراعات وحدود الحركة التي تفرضها الجغرافيا والسياسة والاستراتيجية.
المشكلة أنّ جزءاً من النقاش الدائر ينطلق من افتراض مبسّط مفاده أنّ الدعم لا معنى له إلا إذا تُرجم إلى دخول مباشر في الحرب. بينما تُظهر تجارب العلاقات الدولية أنّ الدعم قد يأخذ أشكالاً متعددة: سياسية ودبلوماسية واقتصادية وعسكرية ولوجستية واستخبارية، وأنّ تقييمه لا يكون من خلال مشهدٍ واحد أو قرارٍ واحد، بل من خلال مسارٍ كامل يمتدّ أحياناً لعقود.
في الحالة اللبنانية تحديداً، تبدو الحاجة أكبر إلى التمييز بين سؤالين مختلفين: هل تراجعت إيران عن دعم لبنان والمقاومة؟ وسؤالٌ آخر مختلف تماماً: لماذا لا تذهب إلى مواجهةٍ شاملةٍ ومباشرة؟ الخلط بين السؤالين هو ما يؤدي غالباً إلى استنتاجاتٍ متسرّعة لا تساعد على فهم الواقع كما هو.
ففي السياسة، كما في الحروب، ليست الخيارات محصورةً بين الأبيض والأسود، ولا بين التدخل الكامل أو التخلي الكامل. هناك مساحةٌ واسعةٌ من الحسابات المعقّدة التي تتحكم بقرارات الدول والحركات، خصوصاً عندما تكون المنطقة بأسرها على حافة مواجهةٍ إقليميةٍ مفتوحة.
ومن هنا، فإنّ أيّ نقاشٍ جدي حول الدعم الإيراني للبنان ينبغي أن ينطلق من الوقائع لا من الانفعالات، ومن موازين القوى لا من الأمنيات، ومن قراءة النتائج الفعلية على الأرض لا من الصوَر الذهنية المسبقة.
لكن قبل إصدار أحكامٍ نهائية من نوع “تخلّت إيران عن لبنان” أو “تركت حلفاءها لمصيرهم”، لا بدّ من التوقف أمام مجموعة من الوقائع والأسئلة التي غالباً ما تغيب عن النقاش الدائر في وسائل التواصل الاجتماعي.
فهل يُختزل الدعم بالمشاركة العسكرية المباشرة؟ وهل تُدار الحروب الإقليمية الكبرى بمنطق ردود الفعل العاطفية أم بمنطق الحسابات الاستراتيجية؟ ثم ما هي طبيعة القيود التي تفرضها الجغرافيا وموازين القوى على مختلف الأطراف؟ وهل يمكن تجاهل أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي التي تراكمت على مدى عقود عند تقييم موقف دولة أو حليف في لحظة حرب؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى تبرئة طرف أو إدانة آخر، بل إلى محاولة قراءة المشهد بعيداً عن الانفعال، ومن خلال الوقائع التي تساعد على فهم الصورة بصورةٍ أكثرَ دقة وتعقيداً.
ومن هنا يمكن التوقف عند عدد من النقاط الأساسية التي تبدو ضروريةً لفهم طبيعة الموقف الإيراني من الحرب الدائرة في لبنان.
*أولاً: بين الدعم والتدخل المباشر
أحد أبرز الأخطاء في النقاش الحالي هو الخلط بين مفهوم الدعم ومفهوم الدخول المباشر في الحرب. ففي العلاقات الدولية لا يُقاس الدعم فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو الجبهات التي تُفتح، بل بمجمل الأدوار السياسية والعسكرية والاقتصادية واللوجستية التي تساهم في تعزيز قدرة الحليف على الصمود وتحسين موقعه التفاوضي والميداني.
*ثانياً: الردع الذي لا يراه كثيرون
قد يسأل البعض: إذا كانت “إسرائيل” تمتلك هذا القدر من القوة العسكرية، فلماذا امتنعت عن استهدافٍ واسعٍ ومنهجي لبعض المرافق الحيوية والبنى التحتية كما فعلت في مراحل سابقة؟ ولماذا بقيت هناك حدودٌ معينة للتصعيد رغم حجم العدوان؟
هنا تبرز مسألة الردع التي لا تُقاس فقط بما يقع من ضربات، بل أيضاً بما يُمنع وقوعه نتيجة خشية الطرف الآخر من الكلفة والتداعيات. فالردع الناجح لا يظهر دائماً في ما يحدث، بل أحياناً في ما لا يحدث.
*ثالثاً: الحروب لا تُدار بالرغبات بل بالحسابات
في النقاشات الشعبية غالباً ما تُطرح الأسئلة بصيغةٍ بسيطة: لماذا لا يتمّ فتح كلّ الجبهات؟ ولماذا لا تُستخدم كلّ القدرات دفعة واحدة؟ ولماذا لا تُحسم المعركة سريعاً؟
غير أنّ منطق الحروب يختلف عن منطق الأمنيات. فكلّ طرف يدخل أيّ مواجهة وهو يحسب الكلفة والنتائج وإمكانية الاستمرار، لا مجرد القدرة على القيام بالفعل في لحظة معينة.
ومن هنا تبدو فكرة “الضربة القاضية” أقرب إلى الخطاب التعبوي منها إلى الواقع العسكري والسياسي. فلو كانت “إسرائيل” والولايات المتحدة قادرتين على إنهاء خصومهما بصورة حاسمة ونهائية لفعلتا ذلك منذ زمن، كما أنه لو كان محور المقاومة قادراً على حسم الصراع بضربة واحدة لفعل أيضاً.
الحروب الطويلة تُخاض عادة بمنطق التراكم واستنزاف الخصم وتحسين الشروط السياسية والميدانية تدريجياً، لا بمنطق المشهد الحاسم الذي ينهي كلّ شيء دفعة واحدة. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تقع الضربة القاضية؟ بل: من الذي ينجح في تحسين موقعه ومنع خصمه من تحقيق أهدافه الكبرى؟
*رابعاً: الجغرافيا أيضاً جزء من المعركة
كثير من النقاشات السياسية تتجاهل عاملاً أساسياً هو طبيعة الجبهة نفسها. فالحروب لا تُخاض فقط بالإرادة، بل كذلك بالجغرافيا والقدرة على الحركة وطبيعة الأرض وحدودها.
في الحالة اللبنانية، ثمة اعتبارات ميدانية مرتبطة بضيق مساحة الجبهة وحجم الاحتكاك المباشر وتعقيدات البيئة العملياتية. ولذلك فإنّ حجم القوى البشرية المتوافرة لا يعني بالضرورة إمكان إشراكها جميعاً في القتال.
ولهذا السبب لا يمكن قياس حجم الانخراط في المعركة بعدد المقاتلين الذين يمكن أن يشاركوا نظرياً، بل بمدى الحاجة الفعلية إليهم وفق متطلبات الميدان. فالحرب ليست استعراضاً للأعداد، بل إدارة دقيقة للموارد والإمكانات.
*خامساً: الدعم لا يبدأ عند اندلاع الحرب
حين يُطرح السؤال حول ما إذا كانت إيران تدعم لبنان أم لا، فإنّ جزءاً من المشكلة يكمن في النظر إلى المشهد من زاوية اللحظة الراهنة فقط، وكأنّ تاريخ العلاقة بين الطرفين يبدأ مع الحرب الحالية.
فالقوة العسكرية التي تمتلكها المقاومة اليوم لم تنشأ في الفراغ، كما أنّ القدرات التقنية واللوجستية والتنظيمية التي راكمتها خلال عقود لم تكن نتاج ظرفٍ عابر. وأيّ قراءة موضوعية للمشهد الحالي تقتضي النظر إلى البنية التي جعلت هذه المقاومة قادرة أساساً على الاستمرار والمواجهة.
وفي العلوم السياسية لا يُقاس الدعم فقط بما يُقدَّم أثناء الحرب، بل أيضاً بما جرى بناؤه قبل الحرب، لأنّ القدرة على الصمود في لحظة المواجهة هي نفسها نتيجة تراكم طويل من الدعم والإعداد والاستثمار السياسي والعسكري.
*سادساً: بين العاطفة ومنطق الدولة
لا يمكن إنكار أنّ جزءاً من الغضب الشعبي نابع من مشاهد الألم والخسائر البشرية الهائلة. وهذا أمر مفهوم وطبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل العاطفة إلى أداة وحيدة لفهم الوقائع السياسية.
فالمنطق العاطفي يميل إلى تقسيم العالم إلى فئتين: إما دعم كامل وغير محدود، أو تخاذل كامل. أما منطق الدول فيقوم على حسابات أكثر تعقيداً تتعلق بالأولويات وموازين القوى وإدارة المخاطر واحتمالات التصعيد.
وهنا يظهر التباين بين ما يريده الجمهور في لحظة الانفعال، وما تراه المؤسّسات السياسية والعسكرية ممكناً أو مجدياً ضمن ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
*سابعاً: ماذا يعني ربط التفاوض بوقف الحرب في لبنان؟
بعيداً عن المواقف السياسية المؤيدة أو المعارضة لإيران، يبقى من الصعب تجاهل الدلالة السياسية لأيّ محاولة لربط مسار التفاوض الإقليمي بمصير الحرب في لبنان.
ففي العلاقات الدولية لا تُقاس المواقف فقط بالخطابات، بل أيضاً بالأوراق التي يضعها كلّ طرف على طاولة التفاوض، وبالمقدار الذي يكون مستعداً لتحمّل كلفته السياسية والدبلوماسية من أجل التمسك بهذه الأوراق.
ومن هذه الزاوية، فإنّ إدخال ملف لبنان في صلب أيّ نقاش تفاوضي إقليمي لا يمكن اعتباره تفصيلاً هامشياً، سواء اتفق المرء مع هذه المقاربة أم اختلف معها، لأنه يكشف أنّ الساحة اللبنانية ما زالت حاضرة في الحسابات الاستراتيجية الكبرى للأطراف المنخرطة في الصراع.
في الختام، قد يختلف اللبنانيون في تقييم السياسات الإيرانية، وقد تتباين قراءاتهم لطبيعة العلاقة بين إيران والمقاومة ولبنان عموماً. وهذا أمر طبيعي في أيّ نقاش سياسي.
لكن ما يبدو أقلّ موضوعية هو اختزال المشهد كله بسؤال انفعالي من نوع: لماذا لا تدخل إيران الحرب؟
فالسؤال الأدق ربما هو: ما حدود الممكن في هذه الحرب؟ وكيف تُقاس المساندة في الصراعات الإقليمية؟ وهل يكون الدعم فقط بإطلاق النار، أم أيضاً بمنع الهزيمة، وتعزيز الصمود، وتحسين شروط المواجهة والتفاوض؟
بين العاطفة التي تبحث عن موقف فوري وحاسم، ومنطق السياسة الذي تحكمه الحسابات المعقدة، تبقى الحاجة قائمة إلى قراءة أكثر هدوءاً للمشهد، قراءة تحاول فهم الوقائع كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.

