د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي وقانوني
في زمن تتقلب فيه معادلات القوة العالمية كما تتقلب أوراق الخريف، ويصبح فيه الذكاء الاصطناعي نداً للبشر والمناخ عدواً لدوداً للخطط المستقبلية، يبدو الحديث عن خطة تنموية عراقية تمد جذورها حتى عام 2050 وكأنه محاولة لردم نهر متدفق بصخرة واحدة. إنه طموح نبيل بلا شك، ولكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يمكن لخطة مفصلة، تتحول إلى نص قانوني ملزم، أن تصمد أمام رياح التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمناخية التي لا تعرف السكون؟ أم أن تثبيتها في قالب تشريعي سيحولها من أداة تنمية إلى قيد يعطل حركة الحكومات المتعاقبة، ويجعل من مجلس النواب ساحة للمعارك التعديلية بدل أن يكون منصة للإبداع التشريعي؟
لقد أدركت الدول التي سبقتنا في مضمار التخطيط الاستراتيجي أن العالم لم يعد يحتمل خططاً جامدة تضع تفاصيل تنفيذية لمدة ربع قرن، فتحولت من مفهوم “الخطة” إلى مفهوم “الرؤية”. فالرؤية، في جوهرها، هي إطار مرن يحدد الوجهة الوطنية الكبرى ويترك للحكومات المتعاقبة حرية اختيار الأدوات والبرامج التي تناسب معطيات كل مرحلة، بينما الخطة المشرعة تضع الحكومة القادمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع لمشروع أعدته حكومة سابقة في ظروف قد تكون انتهت، أو الانشغال بتعديلات تشريعية تستهلك الوقت وتشتت الجهود. وهذا وحده يكفي لجعل أي قانون تنموي طويل الأمد عبئاً على الدولة لا ركيزة لنهضتها.
ولم يعد الأمر مقتصراً على صراع الرؤى السياسية، بل يمتد ليشمل التحولات العميقة في النظام المالي العالمي نفسه، الذي بدأت ملامحه الجديدة تتشكل مع انتهاء ولاية الرئيس ترامب، وهو نظام يبشر بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني أن أي خطة عراقية تفصيلية قد تجد نفسها عاجزة عن مواكبة تحولات أسعار الطاقة وأنظمة التبادل التجاري التي ستشكل مستقبل الاقتصاد العراقي. فكيف لنص قانوني جامد، يحتاج إلى أغلبية نيابية لتعديله، أن يواكب نظاماً مالياً عالمياً لم يتبلور بعد؟ كيف يمكن لدولة هشة اقتصادياً أن تحكم نفسها بقانون قد يصبح من الماضي قبل أن يبدأ العمل به؟
أما الحديث عن استكمال مشروع المليون قطعة أرض سكنية، وهو مشروع إنساني يلامس وجع المواطن، فإنه يظل في سياق رؤية تنموية شاملة مجرد معالجة لنتيجة وليس حلاً لسبب. فالعراق اليوم، بعد أن تضاعف عدد سكانه منذ عام 2003، ويقترب من حاجز الخمسة والتسعين مليون نسمة بحلول عام 2050، لا يعاني من نقص البيوت فقط، بل يعاني من أزمة أعمق في بنية الدولة ذاتها، في أنظمتها الإدارية المتخشبة، وفي مؤسساتها التي لم تعد قادرة على استيعاب هذا الزخم البشري. وأي خطة لا تبدأ بإصلاح جذري وشامل لكيان الدولة، وتفعيل سياسات سكانية واضحة، وتصحيح مسار التعليم والصحة والاقتصاد، فإنها ستبقى حبراً على ورق مهما كان عدد القطع السكنية التي تُضاف إليها.
إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس خطة تنموية تُشرع بالقانون وتُحفظ في الأدراج، بل رؤية وطنية مفتوحة، تعانق المستقبل بمرونة، وتحتضن طموحات الشعب دون أن تكبل يدي الحكومات القادمة، وتجعل من الإصلاح المؤسسي أولوية لا تقبل التأجيل. إنها دعوة إلى حكمة بالغة، وإدراك أن بناء الأوطان لا يبدأ بتشييد الجدران بل بإعادة تشكيل العقلية السياسية والإدارية، وأن الدولة التي لا تتغير مع الزمن هي دولة تموت قبل أن تعيش. فهل نختار طريق الرؤية الحرة والعمل الإصلاحي، أم نغرق في قفص القانون والخطط التي لا يكتب لها النجاح في عالم لا ينتظر أحداً؟

