علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
في السياسة لا تأتي الإشارات المهمة دائماً في صورة اتفاقات معلنة. أحياناً تظهر في تعيينات عسكرية. أو زيارة وسيط. أو تصريح مقتضب من قائد عسكري. أو في جملة تكشف أن دولة ما قررت الانتظار بدلاً من التفاوض الآن.
هذا ما يجعل المشهد الإيراني الحالي أكثر تعقيداً من مجرد خلاف جديد مع واشنطن.
طهران تبدو وكأنها تحاول شراء الوقت. وواشنطن تريد أن تعرف إلى أي حد تستطيع إيران استخدام هذا الوقت لإعادة بناء قوتها. وبين الطرفين تتحرك باكستان في مساحة تبدو أكثر أهمية من مجرد وساطة تقليدية. فقد جاءت زيارة وزير الداخلية الباكستانية إلى طهران في لحظة تتقاطع فيها الإشارات الدبلوماسية والعسكرية. ثم جاء حديث قائد الجيش الباكستاني عن احتمال صدور إعلان سلام بين إيران والولايات المتحدة ليضيف بعداً آخر إلى المشهد.
إذا كان الحديث عن السلام قد بدأ يظهر في هذه المرحلة. فهذا يعني أن باب التفاوض لم يغلق بالكامل. لكنه يعني أيضاً أن الطرفين لم يصلا بعد إلى النقطة التي تسمح لهما بتحويل التهدئة إلى اتفاق مستقر.
طهران تقول إن الحديث عن تمديد وقف إطلاق النار لا يستند إلى أساس. لأنها ترى أن الاتفاق المؤقت لم يدخل حيز التنفيذ بالصورة التي تتحدث عنها الأطراف الأخرى. وتتهم واشنطن بأنها أخلت بالتفاهم بعد وقت قصير من التوصل إليه. بينما ترى واشنطن أن إيران تتحرك بطريقة تجعل التفاهمات المؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.
وسط هذه الروايات المتعارضة تظهر باكستان كطرف يحاول إبقاء الباب مفتوحاً.
إسلام آباد تمتلك ميزة لا تتوفر لكثير من الوسطاء. فهي قريبة من إيران. ولها علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة. كما أن المؤسسة العسكرية الباكستانية تدرك حساسية الخليج بالنسبة لأمنها واقتصادها. لذلك فإن أي وساطة ناجحة بين طهران وواشنطن لن تكون مجرد مكسب دبلوماسي لباكستان. وإنما ستمنحها موقعاً أكبر في معادلات الأمن الإقليمي.
لكن المسار الدبلوماسي ليس التطور الوحيد الذي يستحق الانتباه.
في الداخل الإيراني جرت خلال الفترة الأخيرة تغييرات واسعة في القيادة العسكرية والأمنية. وجاءت التعيينات الجديدة في مواقع شديدة الحساسية داخل القوات المسلحة والحرس الثوري والقوات البحرية والتعبئة. وبغض النظر عن الأسماء. فإن طبيعة المواقع التي شملتها التغييرات تقول إن طهران تعيد ترتيب مركزها الأمني في لحظة شديدة الحساسية.
هنا تصبح قراءة التوقيت أكثر أهمية من قراءة الأسماء.
إيران لا تحتاج إلى إعلان انتقال عقيدتها من الدفاع إلى الهجوم حتى تبدأ بإعادة بناء مؤسساتها العسكرية وفق هذا الاحتمال. يكفي أن تشعر القيادة بأن المرحلة المقبلة قد لا تسمح لها بالاعتماد على الردع التقليدي وحده.
قد تكون الرسالة الموجهة إلى الخارج بسيطة. إيران تريد أن تكون مستعدة إذا فشلت الدبلوماسية.
وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الداخل أكثر أهمية. النظام يريد أن يقول إن المواجهة السابقة لم تدفعه إلى التراجع. وإنما دفعته إلى إعادة تنظيم أدوات القوة.
هذا لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية. السياسة الإيرانية أكثر تعقيداً من ذلك. طهران اعتادت الجمع بين التفاوض والضغط العسكري والعمل غير المباشر. وقد تستخدم تعزيز قدراتها العسكرية لتحسين شروط التفاوض وليس لإلغاء التفاوض.
وهنا تظهر مسألة ترامب.
إذا كانت بعض الدوائر الإيرانية تراهن على انتهاء ولايته في عام 2029. فإنها لا تراهن فقط على مرور الوقت. إنها تراهن على تغير البيئة السياسية الأمريكية. فقد ترى أن الرئيس المقبل سيكون أكثر استعداداً للتسوية. أو أقل اندفاعاً نحو سياسة الضغط الأقصى. أو أكثر اهتماماً بإغلاق الملفات الخارجية.
لكن هذا الرهان يحتاج إلى إجابة عن سؤال أصعب.
هل تستطيع إيران أن تصل إلى عام 2029 وهي تحت ضغط العقوبات. وتواجه حاجات اقتصادية متزايدة. وتعيد بناء قدراتها العسكرية. وتتعامل مع تهديد إسرائيلي مستمر. وتحافظ في الوقت نفسه على شبكة نفوذها الإقليمية.
القدرة على الصمود ليست مفهوماً عسكرياً فقط.
هي قدرة الدولة على تمويل اقتصادها. والحفاظ على عملتها. وتأمين صادراتها. وإدارة احتياجات المجتمع. وتمويل مؤسساتها العسكرية. ومنع الضغط الخارجي من التحول إلى أزمة داخلية.
وكلما طال الزمن. أصبحت هذه المعادلة أكثر صعوبة.
إيران تمتلك أوراق قوة حقيقية. موقعها الجغرافي. مواردها الطبيعية. خبرتها في التعامل مع العقوبات. قدرتها الصاروخية. شبكاتها الإقليمية. وموقعها على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. لكنها تواجه في الوقت نفسه تكلفة متراكمة لأي صراع طويل. الاقتصاد لا يعمل بمعزل عن السياسة. والمجتمع لا يستطيع تحمل الأزمات إلى ما لا نهاية. والدولة التي تدخل مواجهة طويلة تحتاج إلى موارد أكبر من تلك التي تحتاجها لشن جولة قصيرة.
لهذا فإن مضيق هرمز يمثل ورقة قوة وورقة مخاطرة في الوقت نفسه.
إيران تستطيع تهديد حركة الملاحة. لكنها تعرف أن إغلاق المضيق سيؤثر أيضاً في صادراتها وفي الأسواق التي تحتاج إليها. ولذلك قد يكون التلويح بالقدرة على تعطيل الممر أكثر فاعلية من استخدامه فعلياً. الردع هنا يقوم على إبقاء الاحتمال قائماً.
وهذا المنطق قد يفسر جانباً من إعادة ترتيب القيادة العسكرية.
إذا كانت طهران تعتقد أن المواجهة المقبلة قد تكون متعددة الجبهات. فإنها تحتاج إلى قيادة تستطيع إدارة الخليج. والحدود. والقوات الصاروخية. والشبكات الإقليمية. والعمليات غير المباشرة في وقت واحد. أي أنها تحتاج إلى الانتقال من مفهوم حماية الأراضي الإيرانية إلى مفهوم أوسع يقوم على جعل تكلفة ضرب إيران أعلى من قدرة خصومها على تحملها.
وهنا تتقاطع التغييرات العسكرية مع التحرك الدبلوماسي.
إيران قد تكون مستعدة للتفاوض. لكنها تريد التفاوض وهي قادرة على الرد. وقد تكون مستعدة للتهدئة. لكنها تريد أن تكون التهدئة متبادلة. وقد تقبل بوساطة باكستانية. لكنها لن تريد أن تبدو وكأنها دخلت المفاوضات تحت الضغط.
هذه الحسابات تفسر أيضاً لماذا يصبح الحديث عن إعلان سلام محتمل بين طهران وواشنطن مهماً. فمجرد وصول الرسالة إلى مرحلة الحديث العلني يعني أن هناك قنوات تتحرك. لكن السلام ليس نتيجة وساطة واحدة. إنه يحتاج إلى تسوية ملفات شديدة التعقيد. من العقوبات إلى البرنامج النووي. ومن حرية الملاحة إلى الأمن الإقليمي. ومن الضمانات الأمريكية إلى مستقبل شبكة النفوذ الإيرانية.
وهنا قد يظهر الاختبار الأكبر أمام ترامب.
إذا أراد اتفاقاً سريعاً. فإن عليه أن يقدم لطهران شيئاً يمكنها عرضه داخلياً باعتباره مكسباً. وإذا شدد الضغط أكثر. فقد يدفع إيران إلى الاعتقاد بأن الصمود حتى 2029 هو الخيار الأفضل. وكلما زادت القناعة الإيرانية بأن الزمن يعمل ضد ترامب. أصبحت قدرة واشنطن على انتزاع تنازلات كبيرة أكثر صعوبة.
لكن الزمن ليس حليفاً مضموناً لأي طرف.
ترامب قد يغادر البيت الأبيض في 2029. وقد تتغير السياسة الأمريكية قبله. وقد تتغير القيادة الإيرانية أو حساباتها قبل ذلك. وقد يؤدي حدث عسكري واحد إلى قلب كل الرهانات. الشرق الأوسط لا يمنح الدول رفاهية التخطيط وفق خط زمني طويل عندما تكون الجبهات متداخلة إلى هذا الحد.
لهذا فإن الرهان الإيراني على نهاية ولاية ترامب يحمل مفارقة واضحة.
طهران قد تعتقد أن أفضل وسيلة للتعامل مع إدارة أمريكية صعبة هي الانتظار. لكن الانتظار نفسه يحتاج إلى قوة اقتصادية واجتماعية وعسكرية تكفي لتحمل تكلفته. وإذا لم تكن هذه القوة متوفرة. فإن الزمن الذي تراهن عليه إيران قد يتحول من أداة تفاوض إلى عامل ضغط عليها.
وهنا تصبح التغييرات العسكرية أكثر إثارة للاهتمام.
قد لا تكون إعلاناً عن عقيدة هجومية جديدة. لكنها توحي بأن إيران تريد أن تكون جاهزة لهذا الاحتمال. وقد لا تكون طهران قد اختارت الحرب. لكنها بالتأكيد لا تريد أن تدخل التفاوض وهي تفترض أن الحرب مستبعدة.
هذا هو جوهر المرحلة الجديدة.
طهران تحاول أن تفتح باباً للسلام عبر الوسطاء. وفي الوقت نفسه تعيد ترتيب أدوات القوة. وواشنطن تختبر حدود الضغط. وباكستان تحاول منع تحول المواجهة إلى صراع مفتوح. وإسرائيل تراقب أي تغيير في القدرات الإيرانية باعتباره جزءاً من أمنها المباشر.
بين هذه المسارات الأربعة يتحدد مستقبل الأزمة.
قد ينتهي الأمر باتفاق يثبت أن كل هذه الاستعدادات كانت جزءاً من عملية تفاوض قاسية. وقد يؤدي سوء الحساب إلى جولة جديدة من المواجهة. وقد تستمر المنطقة في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام لسنوات.
لذلك لا يبدو أن السؤال الأهم هو ما إذا كانت إيران تريد الحرب أو السلام.
ربما تريد الاثنين في الوقت نفسه.
تريد السلام إذا كان يحفظ لها قدرتها على البقاء. وتريد القوة إذا فشل السلام في حمايتها. وتراهن على الزمن لأنها تعتقد أن موازين السياسة قد تتغير قبل أن تنفد قدرتها على الصمود.
ويبقى السؤال الذي سيحسم هذه المعادلة أبسط من كل الحسابات العسكرية.
هل تستطيع إيران أن تتحمل كلفة الانتظار حتى 2029.
إذا كانت الإجابة نعم. فقد يصبح الزمن سلاح طهران الأقوى.
وإذا كانت الإجابة لا. فقد تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض قبل أن يصل ترامب إلى نهاية ولايته.
وبين الاحتمالين ستبقى المنطقة كلها معلقة على قرار واحد. هل تختار واشنطن وطهران تسوية تعيد تعريف قواعد الصراع. أم أن كل طرف سيواصل بناء قوته استعداداً للحظة التي يكتشف فيها أن الانتظار لم يعد ممكناً.

