«كلنا فاسدون» حين يصبح الصمت شريكًا في الخطأ!

بغداد | أمين صباح زغير

لم يعد الفساد في المجتمعات يقتصر على الرشوة أو استغلال السلطة أو سرقة المال العام فحسب، بل أصبح مفهومًا أوسع وأخطر من ذلك بكثير؛ إذ قد يتحول إلى سلوك يومي يتسلل إلى تفاصيل حياتنا دون أن نشعر، حتى نجد أنفسنا جزءًا منه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

حين نتحدث عن الفساد، فإننا غالبًا ما نوجه أصابع الاتهام إلى السياسي أو المسؤول أو صاحب النفوذ، وننسى أن المجتمع نفسه قد يساهم أحيانًا في ترسيخ هذه الظاهرة من خلال ممارسات يراها البعض بسيطة، لكنها مع مرور الوقت تتحول إلى ثقافة عامة تؤثر في حاضر الأمم ومستقبلها.

وفي هذا السياق، يقول الموظف علي جواد كاظم ظاهر في تصريح لـ«إنماز»، : «الفساد لا يقتصر على الدوائر الحكومية أو أصحاب المناصب، بل يبدأ أحيانًا من تصرفات بسيطة يمارسها بعض الأفراد بصورة يومية، وإن بناء مجتمع سليم يتطلب أن يتحمل الجميع مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية».

ويتجلى الفساد أيضًا حين يُخذل الضعيف ويُنصر القوي لمجرد امتلاكه النفوذ أو السلطة أو المال، وحين تتحول المصالح الشخصية إلى أولوية تتقدم على المصلحة العامة. ففي هذه اللحظات لا يكون الفساد قرارًا فرديًا فحسب، بل يتحول إلى نهج مجتمعي ينعكس على الجميع.

ومن جانبه، يؤكد الموظف محمد موسى عنيد في تصريح لـ«إنماز»، أن: «الإصلاح الحقيقي يبدأ من الذات، فكل شخص مطالب بمراجعة سلوكه قبل انتقاد الآخرين، وعندما يلتزم المواطن بواجبه ويحترم القانون، فإنه يساهم بشكل مباشر في محاربة الفساد وترسيخ قيم النزاهة».

كما أن تجاهل القوانين وعدم الالتزام بها، والمطالبة بالإصلاح بالكلمات دون الأفعال، يُعدّان من صور الفساد التي تضعف ثقة المجتمع بنفسه وبمؤسساته. فليس الإصلاح شعارًا يُرفع أو خطابًا يُردّد، بل هو سلوك وممارسة تبدأ من الفرد قبل الدولة.

وترى المواطنة هالة داود سلمان في تصريح لـ«إنماز»، أن: «من أخطر ما نواجهه اليوم هو اعتياد بعض الناس على رؤية الخطأ دون الاعتراض عليه، لأن الصمت أمام التجاوزات يمنح الفاسدين شعورًا بالأمان ويشجعهم على الاستمرار».

ويؤكد القرآن الكريم أن السكوت عن الظالم أو الميل إليه ليس موقفًا محايدًا، بل هو مشاركة تمنح الظلم فرصة للاستمرار، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]. فالركون إلى الظالم لا يكون بالفعل فقط، بل قد يكون بالصمت، أو التبرير، أو المجاملة، أو السكوت عن الباطل رغم القدرة على إنكاره.

ومن أخطر صور هذا الانحدار الأخلاقي أن يرتدي البعض ثوب الفضيلة، بينما تخفي الأفعال واقعًا مختلفًا؛ إذ يصبح النفاق الاجتماعي جزءًا من المشهد العام، فنُجامل الفاسدين ونعمل معهم ونصمت عن تجاوزاتهم، بل ونمنحهم مساحة للاستمرار دون مساءلة أو رفض.

وفي ذات الإطار، تشير المواطنة أشواق لازم حسين في تصريح لـ«إنماز»، إلى أن: «المجتمعات الناجحة هي التي تحترم أصحاب الكفاءة والنزاهة وتمنحهم المكانة التي يستحقونها، أما عندما يتم تهميش المخلصين وتقديم أصحاب المصالح الشخصية، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع القيم وانتشار مظاهر الفساد».

ولعل الأزمة الأكبر تظهر حين تختلط المعايير، فيُكذَّب الصادق ويُصدَّق الكاذب، ويُؤتمن الخائن بينما يُتهم الأمين. وعندما تضعف القيم وتتراجع المسؤولية الاجتماعية، تبرز مشكلات أخرى لا تقل خطورة، مثل انتشار المخدرات والانحرافات السلوكية وغياب دور التوجيه والإرشاد المجتمعي.

ويقول المواطن مرتضى ثامر مادي في تصريح لـ«إنماز»، : «الفساد ليس مجرد قضية مالية أو إدارية، بل هو أزمة أخلاقية وثقافية أيضًا، وعندما يتخلى الفرد عن مسؤوليته الاجتماعية أو يتهاون في أداء واجبه، فإنه يساهم بطريقة أو بأخرى في إضعاف المجتمع».

إن إصلاح المجتمع لا يبدأ من القوانين وحدها، ولا من الشعارات الرنانة، بل يبدأ من مراجعة الذات والاعتراف بالأخطاء قبل إلقاء اللوم على الآخرين. فالفساد ليس شخصًا واحدًا أو مؤسسة بعينها، بل قد يكون سلوكًا يتكرر يوميًا حتى يصبح أمرًا معتادًا.

ويبقى السؤال الأهم: هل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائنا وتغييرها؟ أم أننا سنستمر في اتهام الآخرين بينما نتجاهل دورنا في صناعة الواقع الذي نعيشه؟

ويختتم المواطن أحمد حميد حسن في تصريح لـ«إنماز»، بالقول: «إن مواجهة الفساد تحتاج إلى وعي جماعي وشجاعة في قول الحقيقة، فالتغيير لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالمواقف العملية التي ترفض الخطأ وتدعم العدالة وتحافظ على المصلحة العامة».

وقد صدق الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حين قال: «لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليسلطنَّ الله شراركم على خياركم، ثم يدعو خياركم فلا يُستجاب لهم».

كما رُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «ذنوبُ سُفهائكم على علمائكم»، وهي دعوة إلى أن يتحمل أصحاب العلم والوعي مسؤوليتهم في بيان الحق وعدم السكوت عن الباطل، لأن صمت أهل الكلمة والموقف يمنح الفساد فرصة للتمدد ويجعل المنكر أمرًا مألوفًا في المجتمع.

وجهة نظر: المجتمعات لا تنهار بسبب وجود الفاسدين وحدهم، بل يزداد خطر الانهيار عندما يختار الصالحون الصمت أمام الفساد، لأن السكوت عن الخطأ يمنحه فرصة للتمدد والتحول إلى واقع يصعب تغييره.

وكذلك، نصبح فاسدين عندما نغض الطرف عن الخطأ لأنه لا يمس مصالحنا الشخصية، أو لأن مواجهته قد تكلفنا خسارة منفعة معينة. ونصبح أكثر فسادًا عندما نصفق للطغاة والفاسدين والمجرمين، ونرفعهم إلى مرتبة العظماء، ونبرر أفعالهم، ونسكت عن ظلمهم، فنكون بذلك قد خالفنا أمر الله تعالى القائل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، لأن الصمت عن الظلم، أو تبريره، أو مجاملة أهله، ليس حيادًا، بل مشاركة في ترسيخه وإطالة عمره.