«موازنة 2027».. حين تتحول الأزمات لفرص أو إلى هاوية!

نبيل رحيم العبادي

د. نبيل رحيم العبادي | خبير مالي ومصرفي

لم يعد خافيا على احد ان العراق يقف اليوم على مفترق طرق اقتصادي حاسم ليس بفعل طارئ عابر بل بفعل بنية مالية هشة تراكمت تشوهاتها عبر سنوات من قرارات توظيفية وانفاقية لم تراع ابجديات الاستدامة وما حدث في مضيق هرمز مؤخرا ليس سوى الشرارة التي كشفت هشاشة الجدار لا السبب في تصدعه.

الحقيقة التي يجب ان نصر عليها بوضوح ما نعيشه ليس ازمة سيولة عابرة ولا ازمة نقدية قابلة للاحتواء بضخ مؤقت انها ازمة بنيوية مزمنة ناتجة عن خلل في فلسفة الموازنة نفسها وعن تحويل الاستثناء الى قاعدة والاستحقاق الانتخابي الى عبء مالي دائم.

في مثل هذه اللحظات لا يكفي ان تقف الحكومات وحدها في وجه العاصفة بل يجب ان يقف الشعب وممثلوه الى جانب الدولة بمعناها المؤسسي لا بمعنى الحكومة فقط فالسفينة واحدة واذا تسرب الماء الى جوفها لن ينجو راكب واحد.

من هنا فان التسابق المحموم نحو اضافة وظائف جديدة او اقرار رواتب اضافية او اطلاق مشاريع لا تملك الموازنة القدرة على تمويلها ليس سوى تكريس للازمة وتعميق للعجز لقد جربنا هذه الوصفة لعقدين ونيف وكانت النتيجة ان اصبح الاقتراض من البنك المركزي والبنوك المحلية جزءا من روتين دفع الرواتب فالى اين نحن ذاهبون بالدين العام.

موازنة 2027 ليست رقما في جدول بل اختبارا لارادة الدولة وان صياغة موازنة 2027 يجب ان تنطلق من ضرورة الازمة لا من رغبات الكتل ومن قواعد صارمة و لا عجز مالي ما دام تمويله متعذرا او مرهونا بالاستدانة و لا مشروع استثماري يصعب تمويله الا اذا كان ممولا من مؤسسات دولية بتكلفة اقتراض منخفضة وان التمويل الفعلي هو سقف الموازنة لا التمنيات الحزبية وان تعبئة المدخرات عبر جباية عادلة وتقليل الاستثناءات وملاحقة منابع الفساد و تقدير متحفظ لسعر البرميل وربط النفقات بحيز الايرادات دون تجاوز.

بهذا فقط يمكننا الانتقال من موازنة العجز الى موازنة متعادلة بل الى موازنة تفتح بابا للتنمية الحقيقية اما الحديث عن موازنات غير قابلة للتمويل فهو عبث فني واقتصادي لا وقت له ولا مكان.

العراق يحتاج اليوم الى عقل اقتصادي جماعي لا الى شعارات سياسية والى موازنة تشبه واقعنا لا الى واقع نصنعه على مقاس الموازنة فاما ان نتعلم من الازمة او نبقى ندفع ثمنها جيلا بعد جيل.