د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي وقانوني
لم تأتِ الأصوات المطالبة بإلغاء مجلس النواب العراقي، أو تحجيم دوره، أو تجريده من صلاحياته الرقابية، من فراغ. هي وليد تراكمات امتدت لأكثر من دورة برلمانية، كشفت فيها تحقيقات قضائية وتقارير رقابية عن تورط أعداد غير قليلة من الأعضاء الحاليين والسابقين في قضايا رشاوى، واستغلال نفوذ، وتعظيم موارد شخصية على حساب المال العام.
وهذا ليس اتهامًا سياسيًا، بل وقائع بدأت تأخذ طريقها إلى القضاء، وإن ببطء شديد.
المشكلة ليست في فساد فردي، بل في تحول المجلس من مؤسسة رقابية وتشريعية إلى مساحة للتفاوض على المنافع، وأداة لتوفير الحصانة لصناع القرار أكثر من كونها أداة لمحاسبتهم. والأرقام تتحدث في دورة برلمانية كاملة، لم تتجاوز جلسات الاستجواب الفعلية أصابع اليد، بينما تبقى العشرات من طلبات الاستجواب حبيسة الأدراج أو مؤجلة لأسباب إجرائية لا تخفي رغبة واضحة في تجنب المواجهة.
من هنا نشأت المطالبة الشعبية بثلاثة مسارات أولها إلغاء المجلس بالكامل، أو تعديل قانون انتخابه بشكل جذري، أو حصره في التشريع فقط مع سحب يده الرقابية. وهذه المطالب، وإن بدت مشروعة في منطقها الأخلاقي، تصطدم بجدار دستوري صلب.
فالدستور العراقي لعام 2005 لم يترك مجالاً للتأويل، إذ نص على أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية والرقابية العليا. والمعنى القانوني أن الرقابة ليست هبة يمكن سحبها، بل هي وظيفة أصيلة مرتبطة بوجوده. وإلغاؤها يعني إلغاء هويته الدستورية، وهذا لا يتم إلا بتعديل دستوري، وهو إجراء بالغ الصعوبة، ليس فقط لأنه يحتاج إلى ثلثي أعضاء المجلس، بل لأن من يملك التعديل هو المجلس نفسه الذي يُطالَب اليوم بتقييده.
أما مطلب الإلغاء الكامل فهو أخطر من الناحية القانونية، لأنه يعني تعطيل ركن أساسي من أركان النظام السياسي، ويعيدنا إلى مربع الفراغ التشريعي، وهذا ما لا يسمح به الدستور ولا المحكمة الاتحادية التي جعلت وجود المجلس شرطًا لاستمرار عمل الحكومة بمشروعية.
لكنّ الجانب الإنساني في القضية لا يمكن تخطيه. فالشعب العراقي ليس ضد المؤسسات بذاتها، لكنه ضد تحولها إلى غطاء للفساد. والمطلوب اليوم ليس إلغاء المجلس، بل إعادة صياغة عقد الثقة معه، وهذا يمر عبر ثلاثة مداخل قانونية واقعية:
أولاً، تعديل قانون الانتخابات بما يقطع الطريق على المال السياسي والنفوذ القبلي والحزبي، ويعيد التمثيل الحقيقي إلى واجهة المشهد.
ثانيًا، تفعيل دور الهيئات المستقلة، وبخاصة هيئة النزاهة ومحكمة الكسب غير المشروع، بحيث لا يكون النائب فوق المحاسبة، وتُرفع الحصانة بشكل تلقائي عند ثبوت قرائن الفساد.
ثالثًا، فتح حوار وطني جاد حول توزيع الصلاحيات، قد يؤدي إلى تعديلات دستورية مستقبلية تُحدث توازناً جديداً بين السلطات، ولكن عبر الطرق القانونية وليس تحت ضغط الشارع وحده، مهما كان هذا الضغط مشروعاً.
في النهاية، الشعب العراقي لا يطلب إلغاء الديمقراطية، بل يطلب ديمقراطية نزيهة. والمؤسسة التشريعية ليست صنماً يُقدس، لكنها أيضاً ليست كبش فداء يُلغى حين يعطب. المطلوب إصلاح، لا إعدام. ومطلوب محاسبة، لا فراغ. وأظن أن القضاء، إذا أُعطي دوره الحقيقي بعيداً عن التسويات السياسية، يمكن أن يكون هو الجسر الذي يعيد الثقة بين الشعب وممثليه.
وإن تأخر ذلك، فإن الريح التي هبت اليوم قد تتحول غداً إلى عاصفة لا تقف عند حدود الدستور.

