علي الزيدي والألف حرامي!

علي قاسم – كاتب عراقي

ليست كل المعارك تبدأ بصوت الرصاص. بعضها يبدأ بملف قضائي. أو بأمر قبض. أو بخطاب حكومي يتحدث عن هيبة الدولة وحصر السلاح بيدها. وفي الدول التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الفساد وتشابك المصالح وتعدد مراكز القوة. فإن التوقيت يصبح أكثر أهمية من الحدث نفسه. لأن التوقيت غالبًا ما يكشف عن تحولات سياسية أكبر من ظاهرها القانوني.

التحركات الأخيرة التي شهدها العراق بشأن ملاحقة عدد من المتهمين بقضايا فساد. جاءت في لحظة إقليمية ودولية مختلفة تمامًا عن السنوات السابقة. ولذلك فإن قراءتها بمعزل عن البيئة السياسية المحيطة تبدو قراءة ناقصة. فالعراق يقف اليوم أمام مرحلة يعاد فيها رسم ميزان القوى في المنطقة بعد التراجع الواضح في النفوذ الإيراني نتيجة التطورات الإقليمية. وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة أكثر حضورًا في رسم أولويات المرحلة المقبلة من خلال دعمها المعلن لمسار تعزيز مؤسسات الدولة.

ضمن هذا السياق. جاءت التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعمة لرئيس الوزراء علي الزيدي. إلى جانب زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك. ثم الدعوة الرسمية الموجهة إلى الزيدي لزيارة واشنطن. وهي مؤشرات يقرأها الكثير باعتبارها تعكس مستوى متقدمًا من الاهتمام الأمريكي بالحكومة العراقية الحالية. ولا تثبت هذه المؤشرات بمفردها وجود مشروع أمريكي جديد. لكنها تفتح الباب أمام فرضية أن واشنطن ترى في المرحلة الحالية فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي العراقي بما ينسجم مع رؤيتها لمستقبل المنطقة.

وفي أدبيات العلاقات الدولية. لا تتحرك القوى الكبرى بدافع الأشخاص بقدر ما تتحرك وفق المصالح. وعندما تتغير موازين القوة الإقليمية. تتغير معها طبيعة الحلفاء وأدوات التأثير. ومن هنا يذهب بعض المراقبين إلى أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى دعم نموذج دولة أكثر مركزية. تحتكر السلاح. وتقل فيها مساحة الفاعلين المسلحين خارج المؤسسات الرسمية. وهو نموذج ينسجم أيضًا مع مصالح عدد من حلفائها في المنطقة.

ولهذا فإن حديث رئيس الوزراء خلال جلسة مجلس الوزراء عن حصر السلاح بيد الدولة. لا يبدو مجرد شعار سياسي مكرر. بل يمكن النظر إليه باعتباره رسالة داخلية وخارجية في آن واحد. رسالة تؤكد أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. وأن الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية قد يصبح أكثر كلفة سياسيًا وقانونيًا مما كان عليه في السابق.

وفي قلب هذا المشهد. يبرز رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بوصفه ما يمكن وصفه بالمايسترو الذي يدير الإيقاع القانوني للمرحلة. ليس لأنه يصنع القرار السياسي. وإنما لأن المؤسسة القضائية أصبحت محورًا رئيسيًا في إعادة إنتاج شرعية الدولة. وفي التجارب المقارنة. كثيرًا ما يكون القضاء هو الأداة التي تبدأ منها عمليات إعادة ترتيب مراكز القوة عندما تقرر الدولة الانتقال إلى مرحلة مختلفة.

وتزداد هذه القراءة إثارة مع ما يتم تداوله سياسيًا وإعلاميًا عن أفكار تتعلق بإيجاد آليات قضائية أكثر صرامة لملاحقة المتهمين بقضايا الفساد. ومن بينها أحاديث وتسريبات عن إمكانية إنشاء إطار قضائي ذي بعد دولي أو تعاون دولي يضم قضاة عراقيين وخبرات قانونية دولية للنظر في ملفات الفساد الكبرى واسترداد الأموال المنهوبة. وحتى الآن لا يوجد إعلان رسمي يؤكد قيام مثل هذا الإطار. لكن مجرد تداول هذه الفكرة يعكس حجم الضغوط المتزايدة باتجاه معالجة ملفات الفساد بآليات استثنائية إذا ما تعذر إنجازها بالأدوات التقليدية.

لكن. إذا كانت الدولة قد فتحت بالفعل معركة الفساد. فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو لماذا توقفت عند أسماء معينة. ولماذا لم تشمل شخصيات يعتقد قطاع واسع من العراقيين أنها ارتبطت بملفات استيلاء على الأراضي والعقود العامة وتضخم الثروات بصورة لافتة. ولماذا بقيت هذه الملفات بعيدة عن الإجراءات المعلنة حتى الآن. إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون العامل الحقيقي في تحديد مصداقية الحملة. لأن العدالة لا تقاس بمن تمت ملاحقتهم فقط. وإنما أيضًا بمن لم تتم ملاحقتهم.

ويطرح الرأي العام كذلك تساؤلات مشروعة بشأن سبب عدم ظهور أسماء ارتبطت إعلاميًا بقضية نور زهير ضمن هذا الحراك القضائي. وما إذا كانت جميع الملفات ستخضع لمعايير قانونية واحدة. أم أن هناك أولويات في التوقيت أو اختلافًا في المسارات القضائية. وهي أسئلة لا يمكن حسمها إلا عبر إجراءات قضائية معلنة وشفافة.

ومن هنا تظهر فرضية أخرى يتداولها بعض المراقبين. وهي أن المرحلة الحالية قد لا تستهدف مكافحة الفساد بوصفها غاية مستقلة فقط. وإنما بوصفها جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء النظام السياسي العراقي بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية. فإذا صح هذا التقدير. فإن العراق قد يكون أمام انقلاب سياسي ناعم لا يعتمد على تغيير النظام. وإنما على إعادة توزيع النفوذ داخل النظام نفسه عبر أدوات القضاء والدولة والقانون.

ولعل هذه الصورة تستحضر لدى بعض الباحثين تجربة الرئيس المصري أنور السادات عندما أعاد ترتيب مراكز القوى بعد رحيل جمال عبد الناصر فيما عرف ( بثورة التصحيح ). مع الفارق الكبير في الظروف التاريخية والسياسية بين التجربتين. فالتشابه هنا يتعلق باستخدام مؤسسات الدولة لإعادة صياغة موازين القوة. وليس بتطابق السياقات أو النتائج.

ويبقى السؤال الأكبر. هل نحن أمام مشروع وطني لاستعادة الدولة. أم أمام لحظة تتقاطع فيها الإرادة الداخلية مع مصالح دولية وإقليمية لإنتاج عراق جديد. الإجابة لن تأتي من البيانات السياسية. وإنما من معيار واحد لا غير. هل سيصل القانون إلى الجميع دون استثناء. أم سيبقى بعض ألف حرامي خارج أبواب العدالة. لأن التاريخ لا يتذكر من فتح ملفات الفساد. بل يتذكر من أغلقها بعدالة كامل.