خطوات الحكومة لتعزيز السيادة.. هل تكون البداية من «حصر السلاح وتفكيك الفصائل»؟

خطوات الحكومة لتعزيز السيادة..
هل تكون البداية من حصر السلاح وتفكيك الفصائل؟

د.حسام ممدوح | باحث وأكاديمي

يبدو أن الحالة التي وصلت لها الأمور على مستوى الداخل والخارج العراقي وضعت الدولة على مفترق طرق حاسم لإستعادة مركزية القرار الأمني باعتباره أحد ركائز الدولة. فمن الصعوبة بمكان القول إن الدولة العراقية اليوم تحتكر القرار الأمني والعسكري فيها، فيما في ذات الوقت مجموعة من الفصائل تهدّد بضرب إحدى دول الجوار!.

عليه فإن الحكومة وإزاء هذا الموقف وتحت الضغط الأميركي شرعت بخطوات من شأنها استعادة القرار الأمني وإعادة ترتيب هذا الملف المعقّد الذي تريد الحكومة من خلاله تمحور العراق كفاعل مستقل على المستوى الدولي وليس كقاعدة مهددة للدول المجاورة.

وهنا لابد من التمييز بين مسارين، الأول متعلّق بحصر السلاح بيد الدولة وهذا الأمر قد لا يشكل مجالاً للجدل والخلاف بين القوى السياسية، أما المسار الثاني وهو الأخطر فيتعلّق بمستقبل الفصائل المسلحة وهنا مكمن الخلاف لاسيما وأن بعض هذه الفصائل يرى في المسار محاولة «أميركية» لتجريدها من سلاحها على اعتبار أنها جزء من محور «المقاومة» للمشروع الأميركي (الإسرائيلي) في المنطقة، بالتالي ففي هذه النقطة سنشهد حالة التقاطع بين الحكومة وبعض الفصائل، وهو ما يشكل إحتمالية للمواجهة بين الطرفين في أي لحظة.

وتنطلق الحكومة في مسارها من قاعدة قانونية وضع أساسها الدستور العراقي الذي أشار إلى حظر تشكيل الميليشيات المسلحة في المادة التاسعة / أولاً – ب، بالتالي فالحكومة تمتلك الحق القانوني والدستوري لتفكيك أي كيان مسلح لا يخضع للمؤسسات الأمنية الرسمية. بالتالي فلا مجال من الناحية القانونية لوجود أي مجموعة مسلحة خارج سلطة الدولة.
لكن هنا نكون أمام إشكالية وجود (هيئة الحشد الشعبي)، والتي من الناحية القانونية تخضع للقائد العام للقوات المسلحة وتعد جزءاً من القوات الأمنية العراقية، لكن بعض تشكيلاتها اليوم تظهر مواقف لا تنسجم مع القرار الحكومي الرسمي، لتأتي المادة التاسعة / أولاً – أ من الدستور لتؤكد خضوع كافة القوات والأجهزة الأمنية للإدارة المدنية للحكومة، عليه فإن حالة السلم والحرب منوطة برئاسة الحكومة وتخضع لها كافة التشكيلات بما فيها المنضوية تحت لواء (هيئة الحشد الشعبي).

كل ما تقدم هو تمهيد لترتيب وضع أمني جديد في العراق لا يكون فيه عامل تهديد لدول الجوار، كما تؤكد على ذلك المادة الثامنة من الدستور، فالدولة العراقية تتحمل المسؤولية القانونية عن التهديدات التي تنطلق من داخل أراضيها، وهذا عامل خارجي يضاف للعامل الداخلي الذي حددته المادة التاسعة من الدستور.

خطر كبير

من المسلّم به أن تعددية القرار الأمني وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة يشكّل اليوم خطر وجودي بالنسبة للدولة العراقية، سواء أكان الأمر متعلقاً بالداخل أم الخارج العراقي، فعلى المستوى الداخلي سيكون فقدان الأمن أهم العوامل التي على الدولة مواجهتها وانتشار العمليات المسلحة بعيداً عن سلطة الدولة بما يحقّق مصلحة هذا الفصيل أو ذاك.

أما خارجياً، فكون العراق عامل تهديد لدول الجوار قد يدفع هذه الدول لإستهداف العراق بدعوى الدفاع عن النفس، كما في عمليات القصف الأميركي – السعودي المشترك والتي قيل أنها جاءت للرد على هجمات مزعومة انطلقت من العراق.

التوتر الأمني لن يقف عند حدود الأمن بل سيمتد بكل تأكيد ليطال الجانب الاقتصادي، فالعقوبات عبر وزارة الخزانة الأميركية والمتعلقة بتقييد تحويل الدولار إلى العراق وحتى فرض العقوبات على بعض المصارف والشخصيات المتهمة بالارتباط بالفصائل المسلحة سيكون له انعكاسه الكبير على الواقع الاقتصادي للعراق والذي يعاني اليوم من أزمة خانقة قد تشتد إذا ما استمرت حالة التشظي الأمني الداخلي.

مشروع كبير

كل ما تقدم يشير بما لا يقبل الشك أننا بحاجة اليوم على مستوى العراق لمشروع حقيقي يستهدف حصر السلاح بيد الدولة ويعالج هذا الملف الخطير، هذا المشروع يمر عبر مراحل تنتهي بإستعادة الدولة قرارها الأمني بشكل فعلي.

وقوام هذا المشروع وقاعدته:
1. العزم الجازم بالنسبة للحكومة في استعادة قرارها الأمني باعتباره جزءاً من سيادتها.
2. إدراك القوى السياسية لأهمية هذا المشروع بالنسبة للدولة العراقية، بالتالي التعاطي معه بتفاعل عالي يمكّن الحكومة من إنجازه وفق توقيتات محددة.
هذه القاعدة ستمهد لمشروع حصر السلاح بيد الدولة، والذي يتضمن المراحل الآتية:
1. مؤتمر للحوار الوطني للقوى السياسية والفصائل المسلحة لتوحيد وجهات النظر المتعلقة بهذا الملف ومحاولة بناء الثقة بين الشركاء على اختلافهم.
2. بدء عملية حصر فعلية للفصائل المسلحة وما تمتلكه من سلاح (صغير – متوسط – ثقيل).
3. وضع جداول زمنية لعملية تسليم السلاح وتفكيك الفصائل أو دمجها ضمن المؤسسات الرسمية وبما يضمن تحقيق السلم المجتمعي.

وبطبيعة الحال فإن ما تقدم يفترض أن يكون المشروع الذي نتكلم عنه هنا مشروعاً عراقياً لا يكون للقوى الخارجية يداً فاعلة فيه، إذ أن دخول هذه القوى على خط هذا المشروع قد يحرف بوصلته بما يحقق مصلحة هذا الطرف أو ذاك بعيداً عن مصلحة العراق.