د.نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي و قانوني
بين دفتي قرارات مجلس الوزراء الأخيرة، لا أقرأ مجرد تعليمات إدارية، بل أقرأ (خريطة طريق) لاقتصاد عراقي أكثر نضجاً، يتحرر من فوضى الإنفاق ويؤسس لثقافة المحاسبة والشفافية. لطالما عانى العراق من مشروعين: الأول تضخم الكلف بسبب استحداث مكونات غير مدروسة، والثاني غياب المسؤولية القانونية للاستشاريين عندما تخطئ جداول الكميات، فكانت النتيجة هدراً مالياً يرهق الخزينة.
اليوم، جاء القرار الحاسم بمنع أي إضافة للمشروعات بعد إدراجها، وتحميل المكاتب الاستشارية مسؤولية أخطائها، وهو ما يضع حداً لظاهرة الكميات الوهمية ويحول التخطيط الاستثماري من عملية عشوائية إلى هندسة دقيقة تضمن حماية المال العام.
وفي الملف النفطي، الذي يشكل شريان الاقتصاد، لم تكتفِ الحكومة بتوقيع اتفاقات تقليدية، بل ذهبت إلى تنويع مسارات التصدير عبر أنابيب استراتيجية تربط البصرة بحديثة وكركوك وجيهان، فضلاً عن مسار بانياس، مما يمنح العراق مرونة سياسية واقتصادية في تسويق نفطه، ويكسر احتكار أي ممر تصديري وحيد. كما أن الشراكة مع شركات عالمية كـ (شيفرون) و(KBR) والقبول بانضمام تحالف أميركي قطري، يؤكد أن العراق يسعى إلى استقطاب الخبرات الدولية دون التخلي عن سيادته، في وقت يعمل فيه على تحسين تصنيفه الائتماني من خلال سداد التزاماته المالية للجانب الصيني عبر إضافة كميات نفطية، وهي خطوة ذكية تحافظ على استمرار تمويل المشروعات وتجعل العراق أكثر جاذبية للاستثمار.
وفي زاوية أخرى لا تقل أهمية، نجد إلغاء مكتب العمل التابع لوزارة العمل والاجتماعية في مقر هيئة الاستثمار، وتحويل إجراءات الفيزا الإلكترونية، وهو تحول جوهري من التعقيد البيروقراطي إلى الأتمتة التي تسهل دخول العمالة الأجنبية والاستثمارات، كما أن إعادة استخدام الأجهزة اللوحية التي استخدمت في التعداد السكاني لإنشاء قاعدة بيانات عقارية، يمثل نموذجاً في الاقتصاد التدويري وتوفير الموارد، ويعيد الاعتبار للأصول الحكومية المهملة.
أما على صعيد الإصلاح المؤسسي، فقد وضعت الحكومة سقفاً زمنياً لإنهاء التحقيقات ومتابعة دعاوى الفساد واستحصال الأموال المحكوم بها، وطالبت المؤسسات بوضع أدلة إرشادية لتطوير أدائها في مجال مكافحة الفساد، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على رغبة حقيقية في تغيير الثقافة الإدارية، وليس مجرد ردود فعل مؤقتة. كما أن تخويل وزارة التربية بفتح مناقصات طباعة الكتب للشركات المحلية والأجنبية مع استمرار شركة النهرين في دورها، يحقق مزيجاً من المنافسة والجودة التي طالما افتقدها قطاع التعليم.
ما يميز هذه القرارات أنها ليست شعارات رنانة، بل أدوات عملية في يد الحكومة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي. المطلوب الآن هو الإسراع في إصدار الضوابط التنفيذية، ورفع وتيرة الرقابة، ونشر الوعي بين الموظفين بأن هذه الإصلاحات ليست عقاباً بل فرصة لبناء عراق يليق بطموح أبنائه. وفي نظرة الخبير، فإن التحدي الحقيقي ليس في صياغة القرارات، بل في تحويلها إلى واقع يومي يلمسه المواطن والمستثمر على حد سواء.

