النجف بين الاستثمار والمشاريع المتلكئة.. مجلس المحافظة: فرص واعدة تعرقلها المشاريع الوزارية وتأخر التمويل

خاص | شبكة إنماز نيوز

رغم ما تمتلكه محافظة النجف الأشرف من مقومات اقتصادية واستثمارية ودينية تجعلها من أبرز المحافظات الجاذبة لرؤوس الأموال، إلا أن واقع الخدمات والبنى التحتية لا يزال يواجه تحديات كبيرة بسبب استمرار تعثر عدد من المشاريع الاستراتيجية التي مضى على بعضها أكثر من عقد من الزمن دون إنجاز. وبينما تعمل الحكومة المحلية على إعداد أول خريطة استثمارية متكاملة وطرح فرص جديدة أمام القطاع الخاص، يؤكد مسؤولو مجلس المحافظة أن المشاريع الوزارية المتلكئة وتأخر التخصيصات المالية ما زالا يشكلان العقبة الأكبر أمام تحسين الخدمات وإنجاز المشاريع الحيوية.

وفي حديثين منفصلين، استعرض رئيس لجنة البلديات في مجلس محافظة النجف الأشرف فاضل الفتلاوي، ورئيسة لجنة الخدمات إيمان الساعدي، واقع الاستثمار والمشاريع الخدمية في المحافظة، مؤكدين أن النجف تمتلك فرصاً استثمارية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تعاني من إرث طويل من المشاريع المتلكئة التي أثرت بشكل مباشر في حياة المواطنين.

وقالت رئيسة لجنة الخدمات، إيمان الساعدي، إن المحافظة تضم نوعين من المشاريع، الأول تابع للوزارات الاتحادية، والثاني ينفذ ضمن برنامج إعمار وتنمية الأقاليم، مشيرة إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في المشاريع الوزارية التي تعرضت إلى تعثرات استمرت سنوات طويلة.

الساعدي: مشاريع وزارية متلكئة منذ 2008 حرمت النجفيين من خدمات أساسية

وأضافت في حدث مع «إنماز»، أن من أبرز هذه المشاريع مشروع ماء الكوفة – النجف الكبير بطاقة إنتاجية تبلغ 16 ألف متر مكعب في الساعة، والذي أحيل للتنفيذ منذ عام 2008، إلا أنه لم يدخل الخدمة حتى الآن رغم إنفاق مليارات الدنانير عليه.

وأوضحت أن مجلس المحافظة تابع المشروع خلال السنوات الماضية ورفع تقارير مفصلة إلى الحكومة الاتحادية السابقة، إلا أن تلك المتابعات لم تسفر عن نتائج ملموسة، مرجحة أن يكون تدخل بعض الجهات المتنفذة أحد أسباب استمرار تعثر المشروع.

وأشارت الساعدي إلى أن مشروع محطة بحر النجف الكبير يعد أيضاً من المشاريع الوزارية المتلكئة، مبينة أن المجلس شخص جملة من الإخفاقات الفنية التي رافقت المشروع، وفي مقدمتها عدم توفير مصدر دائم للطاقة الكهربائية، فضلاً عن مشكلات الربط الكهربائي، الأمر الذي حال دون تشغيله بالشكل المطلوب.

وأكدت أن مجلس المحافظة رفع تقارير فنية متكاملة إلى الجهات المختصة، تضمنت توصيات لمعالجة تلك المشكلات وتسريع إنجاز المشروع.

وفي ملف آخر، كشفت الساعدي عن وجود مشكلات كبيرة رافقت مشروع الجباية الإلكترونية الخاص بمديريتي الماء والمجاري، معتبرة أن المشروع لم يحقق أهدافه، بل تسبب في هدر المال العام نتيجة ضعف آليات التنفيذ.

وأوضحت أن نحو 30 ألف مقياس للمياه تم نصبه دون أن تتم الجباية بالشكل الصحيح، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإيرادات المالية الخاصة بمديرية الماء والمجاري.

وأضافت أن مجلس المحافظة ناقش الملف بشكل موسع، وطلب من الأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة الإعمار والإسكان والبلديات إعادة النظر في بنود العقد المبرم مع الشركة المنفذة، كما خاطب الوزارة لتخصيص خمسة مليارات دينار لمعالجة النقص في إيرادات المديرية وتعويض الخلل الناتج عن المشروع.

وأكدت أن استمرار تعثر هذه المشاريع انعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ولا سيما خدمات الماء والمجاري التي تعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالحياة اليومية.

وفيما يتعلق بآلية التعامل مع المشاريع المتوقفة، أوضحت الساعدي أن مجلس المحافظة ناقش جميع المشاريع الوزارية منذ بدء أعماله، وأعد تقارير تفصيلية رفعت إلى رئاسة مجلس الوزراء، إلا أن الردود لم تكن بالمستوى الذي يحقق معالجة فعلية للمشكلات.

وأضافت أن المشاريع التابعة للمحافظة تختلف عن المشاريع الوزارية، إذ إن عدداً منها أنجز بالفعل، بينما تعثر البعض الآخر بسبب عدم وصول التخصيصات المالية أو تأخر صرف السلف للمقاولين، وهو ما أدى إلى توقف العمل في عدد من المشاريع.

وأكدت أن مجلس المحافظة عقد سلسلة اجتماعات مع هيئة الإعمار والدوائر البلدية والمهندسين المشرفين على المشاريع بهدف إزالة العقبات واستئناف الأعمال.

من جانبه، أكد رئيس لجنة البلديات في مجلس محافظة النجف الأشرف، فاضل الفتلاوي، أن المحافظة بدأت مرحلة جديدة في ملف الاستثمار من خلال إعداد أول خريطة استثمارية تضم المواقع والفرص القابلة للاستثمار في مختلف القطاعات.

الفتلاوي: البلديات ترفع المشاريع الاستثمارية والنجف تمتلك أول خريطة استثمارية متكاملة

وأوضح في حدث مع «إنماز»، أن دور البلديات يتمثل في تحديد الأراضي والمشاريع القابلة للاستثمار ورفعها إلى الجهات المختصة، لتدرج ضمن الخريطة الاستثمارية التي تعلن رسمياً أمام المستثمرين، وفق آليات قانونية تضمن العدالة والشفافية في منح الفرص.

وأشار إلى أن المحافظة تمتلك فرصاً استثمارية متنوعة تشمل القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، فضلاً عن المشاريع المدرجة ضمن خطط إعمار وتنمية الأقاليم، مؤكداً أن النجف تعد من المحافظات الواعدة في مجال الاستثمار بفضل موقعها وأهميتها الاقتصادية والدينية.

ورأى الفتلاوي أن النظرة السلبية التي يحملها البعض تجاه الاستثمار تحتاج إلى مراجعة، مبيناً أن الاستثمار يمثل أحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية، شريطة وجود رقابة حقيقية على تنفيذ المشاريع وضمان التزام المستثمرين بالجدوى الاقتصادية وتوفير فرص العمل.

وأضاف أن أغلب المشاريع الاستثمارية القائمة في المحافظة تدار من قبل القطاع الخاص، مستشهداً بالمطاعم والمجمعات التجارية والأماكن الترفيهية التي تشهد نشاطاً متزايداً، وتوفر فرص عمل لآلاف العاملين.

وأشار إلى أن وجود أعداد كبيرة من العاملين القادمين من المحافظات المجاورة دليل على أن النجف أصبحت بيئة جاذبة للعمل والاستثمار، مؤكداً أن سوق العمل لا يقتصر على أبناء المحافظة وحدهم، بل يخدم العراقيين جميعاً.

وفي معرض حديثه عن المشاريع المتلكئة، أوضح الفتلاوي أن مشروع مجسر وشارع المطار يخضع إلى مدد تعاقدية محددة، وأن حالات التأخير تعالج عبر اللجان الفنية والمهندس المشرف والدائرة المستفيدة، وفق الإجراءات القانونية المنصوص عليها في العقود.

وأكد أن الشركات المتلكئة تواجه غرامات وعقوبات قانونية، وأن مجلس المحافظة يتابع باستمرار نسب الإنجاز ومدى التزام الشركات المنفذة بالجداول الزمنية.

وأشار إلى أن غالبية المشاريع المتلكئة في النجف هي مشاريع وزارية، من بينها مشروع ماء النجف الكبير، فضلاً عن مشاريع إنشاء أكثر من 40 مدرسة، مؤكداً أن مجلس المحافظة والمحافظ والنواب والوحدات الإدارية يواصلون متابعة هذه الملفات مع الجهات الاتحادية لإيجاد حلول عاجلة.

ولفت إلى أن تنفيذ المشاريع الجديدة يبقى مرهوناً بوصول التخصيصات المالية من الحكومة الاتحادية، موضحاً أن المديريات القطاعية تضع خططاً سنوية واستراتيجية وترفعها إلى وزارة التخطيط، وبعد المصادقة عليها وتوفير التمويل تبدأ مراحل التنفيذ.

وتعكس تصريحات مسؤولي مجلس محافظة النجف صورة مزدوجة لواقع المحافظة؛ فمن جهة تمتلك النجف فرصاً استثمارية كبيرة وموقعاً اقتصادياً يجعلها قادرة على استقطاب المزيد من رؤوس الأموال، ومن جهة أخرى لا تزال تعاني من تراكم المشاريع الوزارية المتلكئة التي استنزفت الوقت والأموال وأثرت في مستوى الخدمات الأساسية. وبين هذين المسارين، يبقى نجاح المحافظة مرتبطاً بقدرة الحكومة الاتحادية على توفير التمويل، وحسم ملفات المشاريع المتوقفة، وتعزيز الرقابة على التنفيذ، بما يضمن تحويل الخطط الاستثمارية إلى مشاريع مكتملة تنعكس آثارها على حياة المواطنين والاقتصاد المحلي.