د. نبيل رحيم العبادي – خبير مصرفي ومالي
(أخطر من الفساد، الدفاع عنه )في هذه العبارة المقتضبة خلاصة مأساة لا تتوقف عند سرقة المليارات ولا عند الذهب المطمور في أقبية الخوف، بل تمتد إلى حيث يتحول الضمير إلى سلعة، ويصبح الصوت الذي يفترض أن يكون صوت حق، صدى لأصحاب الباطل.
المشكلة لم تعد في المال المنهوب وحده، بل في العقول التي بدأت تتقبل الفكرة. الفساد لم يعد استثناء يخجل صاحبه من انكشافه، بل صار ثقافة كاملة لها منطقها وتبريراتها وأدبياتها. يحدث بهدوء أن يتحول المختلس في نظر البعض إلى (شخص يعرف كيف يعيش) ، بينما يتحول النزيه إلى (مسكين لم يتعلم بعد) . هذا الانقلاب في المعايير هو الكارثة الحقيقية. إنه انهيار للفكرة قبل انهيار الميزانية، وموت للمعنى قبل ضياع الأرقام.
الغريب أن هناك دوما من يجد للفساد تبريرا. يخرج علينا من يقول إن هؤلاء (بشر ولهم حرمتهم)، وكأن حرمة المال العام لا تملك قداسة تستحق الدفاع. يختلط الستر بالتواطؤ، وتلتبس الرحمة بتمييع العقوبة، في مشهد يكشف أن المعركة ليست فقط مع الذين يسرقون، بل مع البيئة التي تنتج الأعذار للصوص.
الفساد حين يصبح ثقافة، فإنه يتخفى وراء مفردات نبيلة. يسمونه (هدية) أو (تكريم) أو (تسهيل أمور) ، حتى يذوب القبح في اللغة. وهذا هو المكر البطيء الذي يجعل الأجيال تنشأ على أن الانتهازية ذكاء، وأن استغلال المنصب فرصة لا تعوض. وهنا تصبح المواجهة معركة وجود، لا مجرد إجراء إداري.
لمواجهة هذا الوباء، لا بد من فهم طبيعته المركبة. الفساد ليس مجرد نزوة فردية، بل هو نظام موازٍ يخلق لنفسه مبرراته. لذلك فإن مكافحته لا تنجح إذا انحصرت في العقوبات وحدها. صحيح أن القانون يجب أن يكون حادا كالمشرط، وأن العقوبات ينبغي أن تكون علنية ورادعة لتشكل وعيا جمعيا بأن المال العام خط أحمر، لكن هذا لا يكفي.
نحتاج إلى بناء وعي إنساني جديد، يبدأ من البيت والمدرسة، ومن الفن والخطاب الديني الصادق. أن نعلم أبناءنا أن الكرامة ليست في الرصيد البنكي، وأن الشرف ليس رقما في سجل تجاري. نحتاج إلى إعلام لا ينتظر الفضيحة ليتكلم، بل يصنع سردية يومية تمجد العامل المخلص، والمعلم الذي لا يأخذ دروسا خصوصية من طلابه، والموظف الذي يغلق درج مكتبه في وجه الرشوة.
نحتاج كذلك إلى نظام إداري يقطع الطريق على المفسد قبل أن يفسد. لا يمكن أن نترك الإنسان وحده في مواجهة الإغراء، ثم نلقيه في السجن بعد أن يضعف. الرقمنة الكاملة للإجراءات، تقليص الصلاحيات الفردية، وتعزيز الشفافية، كلها خطوات تحمي الضعيف من نفسه، وتحمي المال العام من الطامعين.
أما الأساس الذي تقوم عليه كل هذه الجهود فهو خلق مجتمع لا يتسامح مع الفساد. مجتمع تكون فيه وصمة العار لمن يسرق، لا لمن يبلغ عنه. وحماية المبلغين هي المعركة الأهم، لأنها معركة الضمير الحي في مواجهة الصمت القاتل. إذا ظل من يتكلم يدفع الثمن وحده، فإننا نكتب شهادة وفاة الضمير الجمعي بأيدينا.
الذين يدافعون عن الفساد اليوم، أو يلتمسون الأعذار للفاسدين، ليسوا مجرد متعاطفين. إنهم جزء عضوي من منظومة الفساد نفسها، حتى لو لم يسرقوا فلسا واحدا. إنهم يقتلون الأمل في إمكانية النهوض، ويسرقون من الأجيال القادمة الإيمان بأن الخير ممكن، وأن النزاهة طريق له نهاية. وهذا هو الخطر الأعمق. الخطر ليس فقط في سرقة الحاضر، بل في تدمير فكرة المستقبل.
المعركة ضد الفساد ليست معركة أرقام تختفي وخزائن تمتلئ، بل هي معركة فكرة. وفكرة أن الإنسان يمكن أن يكون شريفا ويبقى قويا، أن يكون نظيفا ويظل ناجحا، هي الفكرة التي تستحق أن نقاتل من أجلها جميعا.

