د. نبيل رحيم العبادي – خبير مالي ومصرفي
قراءة كمية ونوعية في تداعيات الحرب الخليجية على الاقتصاد العالمي بين الطاقة والغذاء: من صراع إقليمي إلى صدمة عالمية مركبة
لم تعد الحرب في الخليج مجرد شأن إقليمي تقليدي، بل تحولت إلى نموذج معاصر للصدمة الاقتصادية المركبة التي تعبر الحدود الجغرافية بسرعة الضوء، وتخترق مفاصل النظام الاقتصادي العالمي عبر قنوات الطاقة والتجارة والتمويل والتضخم. فمضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية البحرية في العالم، بات اليوم محوراً لمعادلة اقتصادية معقدة، تتوقف عليها استقرار أسواق الطاقة، وسلاسة سلاسل الإمداد، واستدامة النمو العالمي.
تشير التقديرات الدولية، ولا سيما الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية والبنك الدولي، إلى أن الحرب في الخليج قد خلقت أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمي، مع هبوط حاد في تدفقات النفط عبر المضيق من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو 8.5 مليون برميل يومياً في مارس 2026، وتراجع حركة السفن اليومية بنسبة 97%. غير أن الأثر لم يقتصر على النفط، بل امتد ليشمل الغاز الطبيعي المسال، والأسمدة، والغذاء، والنقل البحري، وتدفقات رأس المال، ليرسم ملامح أزمة تضخمية مركبة قد تقود الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي إن لم تُحتوَ.
أولاً: قناة الطاقة – القلب النابض للصدمة
يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ ينقل يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل 25% من تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، مع تركيز استثنائي يتمثل في عبور 96% من صادرات قطر و93% من صادرات الإمارات من الغاز عبر هذا الممر الاستراتيجي. وتتفاقم خطورة هذا التركيز الجغرافي مع محدودية القدرات البديلة، حيث لا تتجاوز الطاقة القصوى لخطوط الأنابيب البديلة 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يومياً، مما يجعل أي تعطيل جزئي أو كلي للمضيق صعب التعويض في الأجل القصير.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية الأعمق: فالمشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تعطل التدفقات الفعلية. فعندما تتعطل الإمدادات، لا يعكس السعر مجرد ندرة مؤقتة، بل يعبر عن فجوة هيكلية بين العرض والطلب لا يمكن سدها بسرعة، حتى مع وجود احتياطيات استراتيجية. وقد تجلى ذلك بوضوح في مارس 2026، حين قفز سعر خام برنت إلى 120 دولاراً للبرميل قبل أن يتراجع إلى نحو 90 دولاراً في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار المؤقت.
ومن منظور تحليلي، يمكن تصنيف مسار أسعار النفط ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- سيناريو التهدئة المؤقتة: الذي يثبت الأسعار في نطاق 80-95 دولاراً.
- سيناريو تمديد وقف إطلاق النار: الذي يدفع الأسعار نحو الانخفاض التدريجي إلى 70-85 دولاراً.
- سيناريو انهيار الهدنة: الذي يعيد الأسعار بسرعة إلى ما يزيد على 110 دولارات للبرميل.
وهذا التباين الحاد بين السيناريوهات يعكس درجة عالية من عدم اليقين، ويؤكد أن الأسواق لم تعد تسعّر الوضع الراهن فحسب، بل باتت تسعّر الاحتمالات المستقبلية.
ثانياً: التجارة العالمية – صدمة مزدوجة من الخليج والبحر الأحمر
لا تقتصر تداعيات الحرب على أسواق الطاقة، بل تمتد إلى صميم النظام التجاري العالمي. فقد هبطت حركة السفن في مضيق هرمز بنحو 97% في أواخر فبراير وبداية مارس 2026، وارتفعت أسعار الشحن بنسبة تتراوح بين 50% و200%، وزادت أزمنة النقل بأكثر من 30%، في وقت كانت فيه إيرادات قناة السويس قد انخفضت بالفعل بنحو 40% نتيجة أزمة البحر الأحمر السابقة. وهكذا، يواجه الاقتصاد العالمي اليوم حالة من الاختناق المزدوج على جانبي التجارة البحرية، مما يضاعف حدة الصدمة ويعمق أثرها على سلاسل الإمداد العالمية.
واللافت أن اضطراب التجارة لا يعود إلى طبيعته تلقائياً حتى مع إعلان التهدئة. ففي قطاع الشحن، تسود ظاهرة الجمود التشغيلي، حيث تحتاج الشركات إلى وقت لإعادة توجيه السفن، وإعادة تقييم المخاطر، واستئناف التغطية التأمينية. وهذا يعني أن التحسن في حركة التجارة سيكون تدريجياً وليس فورياً، وأن جزءاً من الصدمة سيبقى قائماً في الأجل القصير، حتى في حال استمرار وقف إطلاق النار.
ثالثاً: التضخم والغذاء – صدمة عرض متعددة الطبقات
ربما يكون أشد جوانب هذه الحرب إثارة للقلق هو انتقال الصدمة من قطاع الطاقة إلى قطاع الغذاء عبر قناة الأسمدة. فقد قفزت أسعار اليوريا بنحو 46% على أساس شهري بين فبراير ومارس 2026، وفق تقديرات البنك الدولي، وهو ارتفاع يعكس بوضوح امتداد أزمة الطاقة إلى الإنتاج الزراعي. فالغاز الطبيعي هو المادة الخام الأساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، فارتفاع أسعار الغاز يعني مباشرة ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، ثم ارتفاع أسعار الغذاء.
وهكذا تتشكل حلقة تضخمية مركبة تبدأ من النفط، وتمر بالغاز، ثم الأسمدة، وتنتهي بالغذاء، ولا يمكن احتواؤها بسهولة عبر السياسات النقدية التقليدية، لأنها صدمات عرض وليست زيادة في الطلب. وإذا أضفنا إلى ذلك ارتفاع تكاليف الشحن بنسبة تفوق 100%، وتوقفاً جزئياً لسلاسل الإمداد، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً: العالم يواجه موجة تضخمية لا تستثني منتجاً ولا دولة، لكنها تضرب بقسوة أكبر الدول النامية والمستوردة للغذاء.
رابعاً: اقتصاديات الخليج – من فوائض إلى حذر
على الجانب الآخر من المعادلة، تقف اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بين مطرقة الصدمة وسندان الفرص. فقبل الحرب، كان البنك الدولي يتوقع نمواً بنسبة 3.2% في 2025 و4.5% في 2026، مدفوعاً بتخفيف قيود إنتاج النفط واستمرار نمو القطاعات غير النفطية. وفي الإمارات، بلغ فائض الحساب الجاري 14.5% من الناتج المحلي في 2024، مع صافي مركز استثمار دولي بلغ 178.2% من الناتج المحلي.
غير أن الحرب أدخلت هذه الاقتصادات في مرحلة من الحذر الاقتصادي المرتفع، حيث تتراكم الآثار السلبية من خلال أربع قنوات رئيسية:
- تعطل الصادرات النفطية.
- ارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
- تراجع الثقة والاستثمار الخاص.
- إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الأمن والطوارئ على حساب الاستثمار التنموي.
ومع أن ارتفاع أسعار النفط قد يحقق مكاسب مؤقتة في الإيرادات الحكومية، فإن استمرار الحرب أو تمديدها يؤدي بسرعة إلى تحييد هذه المكاسب، أو حتى تحويلها إلى خسائر صافية نتيجة تعطل التدفقات وتراجع الأنشطة الاقتصادية غير النفطية.
خامساً: التأثير الكلي على الاقتصاد العالمي – سيناريوهات متباينة
عند تجميع المؤشرات الكلية، تظهر تقديرات تشير إلى أن الاقتصاد العالمي قد يشهد انخفاضاً في النمو يتراوح بين 0.5% و1.0%، مع ارتفاع موازٍ في التضخم بنفس النطاق تقريباً، وتأجيل تخفيضات أسعار الفائدة، وتقلبات حادة في الأسواق المالية. وهذه المؤشرات ترسم ملامح ما يمكن وصفه بـ “الركود التضخمي”، وهي حالة اقتصادية تعد من أكثر الحالات تعقيداً من حيث السياسات الاقتصادية، حيث تتعارض متطلبات مكافحة التضخم مع ضرورات تحفيز النمو.
وتتوزع التداعيات وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- سيناريو محدود: يقتصر على ارتفاع الأسعار.
- سيناريو متوسط: يتميز بتضخم وتباطؤ نمو.
- سيناريو واسع: قد يقود إلى ركود عالمي فعلي.
والعامل الفاصل بين هذه السيناريوهات ليس شدة القتال فحسب، بل مدة الصراع. فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات انتقال الصدمة من قطاع إلى آخر، وتحولها من أزمة قطاعية إلى أزمة اقتصادية شاملة.
بين التهدئة الهشة والتوقعات المعلقة
تكشف هذه الحرب أن أمن الطاقة لم يعد قضية نقطية فحسب، بل أصبح عاملاً حاسماً في استقرار التجارة العالمية والأسواق المالية. والمرحلة الراهنة، التي يمكن وصفها بـ “مرحلة التهدئة الهشة”، لا تعني انتهاء الأزمة، بل تعكس انتقالها من صدمة فعلية إلى صدمة محتملة. فاقتصادياً، لم يعد الخطر الوحيد هو شدة الصراع، بل استمراره، وعدم اليقين المرتبط به.
فإذا تحول وقف إطلاق النار إلى مسار دائم، فقد يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة استقرار تدريجي، مع تراجع التضخم واستئناف النمو. أما إذا انهارت الهدنة، فإن الصدمة قد تعود بسرعة أكبر وبآثار أشد، نتيجة هشاشة التوازن الحالي وعمق التشوهات الهيكلية التي أحدثتها الحرب في سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من صانعي السياسات والمؤسسات المالية التعامل مع سيناريو مزدوج: الاستفادة من التهدئة الحالية لامتصاص الصدمة، مع الاستعداد لاحتمال عودة التصعيد، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير آليات التمويل الطارئ، وإعادة تقييم سلاسل الإمداد العالمية.
فالدرس الأعمق الذي تتركه هذه الحرب في الأذهان ليس فقط أن الجغرافيا ما زالت تشكل قدراً للاقتصاد، بل إن هشاشة النظام العالمي المعاصر تكمن في تركزه الجغرافي، وفي غياب البدائل الكافية، وفي تأخر الاستجابة المؤسسية. وهذا يستدعي إعادة تفكير جذرية في بنية الاقتصاد العالمي، ليس على مستوى السياسات فحسب، بل على مستوى الفلسفة الاقتصادية ذاتها.

