اقتصاد العراق.. ثروة الأرض ورهان الإنسان!

د.نبيل رحيم العبادي – خبير مالي ومصرفي

في عمق الجغرافيا العراقية، حيث تختبئ ثروات هائلة في باطن الأرض، لا يقتصر التحدي على استخراج النفط وتصديره، بل يمتد ليشمل إعادة تعريف العلاقة بين هذه الثروة وحياة المواطن اليومية. ذلك أن الاقتصاد العراقي يراوغ بين وفرة الموارد وشح الفرص؛ ففي الوقت الذي تسجل فيه الميزانية العامة أرقامًا قياسية من الإيرادات النفطية، تتراكم معها مؤشرات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، مما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى النموذج الاقتصادي الريعي الذي جعل من الدولة موزعةً للثروة، بدلًا من أن تكون محركًا للإنتاج والإبداع.

وتكمن المفارقة الأكبر في أن هذا الاقتصاد، الذي يمتلك مقومات النهضة من الأراضي الخصبة إلى الثروات المعدنية والعقول الشابة، لا يزال أسير هيكل هش يقوم على الاستيراد الشامل لكل شيء، من حبة القمح إلى التكنولوجيا المتقدمة. وأمام هذا المشهد المأزوم، تبرز الحاجة الماسة إلى إعادة هندسة العقل الاقتصادي العراقي، بتحويل النفط من غاية إلى وسيلة، ومن مصدر للهبات إلى أداة للاستثمار في البنى التحتية والتعليم والصناعة التحويلية؛ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في انخفاض أسعار النفط فقط، بل في استمرار العقلية الاستهلاكية التي تلتهم الوفرة النفطية، وتترك وراءها جيلًا يائسًا لا يجد له مكانًا في سوق العمل أو مستقبلًا في وطن يئن تحت وطأة الفساد الإداري وضعف التخطيط الاستراتيجي.

إن التجارب الدولية الناجحة أثبتت أن الازدهار الحقيقي يأتي عندما تتحول الدولة إلى راعٍ للصناعات الصغيرة والمتوسطة، وبيئة حاضنة للابتكار، بدلًا من أن تكون المستورد الأول لكل متطلبات المواطن. فهل يدرك صناع القرار في بغداد أن مستقبل الاقتصاد العراقي لا يُصنع في أنابيب التصدير، ولا في صفقات النفط الآنية، بل يُزرع في مدارس الأطفال، ويُصنع في ورش الصناعيين، ويُرعى في أراضي المزارعين، ويُفتح في فضاءات التكنولوجيا الرقمية؟

وإن الإرادة السياسية وحدها قادرة على كسر هذا الجمود، بصياغة رؤية وطنية طويلة الأجل تعيد التوازن بين شمال العراق وجنوبه، وتوزع عوائد الثروة على أساس الكفاءة والإنتاج، لا على أساس المحاصصة والولاءات. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل الاستمرار في سياسات الترقيع والحلول المؤقتة، بل تتطلب جرأة في الإصلاح الهيكلي، وشفافية في إدارة المال العام، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، الذي ظل طوال عقود مهمشًا ومكبلًا بالروتين البيروقراطي.

ويبقى الرهان الأهم على الإنسان العراقي؛ ذلك الإنسان الذي خبر الفقر، وذاق مرارة الحرمان، وانتظر طويلًا حتى يتحقق وعد التنمية، الذي لا يتحقق إلا عندما يتحرر الاقتصاد من لعنة النفط، ويصبح معادلة تنموية عادلة قوامها المعرفة، والإنتاج، والكرامة الإنسانية.