أحمد الطالقاني – مدير مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي – فرع النجف الأشرف
كيف تتحول أكبر مسيرة إيمانية في العالم إلى مشروع وطني لمواجهة الفساد؟
حينما تتجه ملايين القلوب نحو كربلاء في زيارة الأربعين، فإنها لا تحمل معها خطوات العشق للإمام الحسين (عليه السلام) فحسب، بل تحمل رسالة حضارية قوامها الإصلاح والعدالة والكرامة الإنسانية. إن هذا المشهد الإيماني العالمي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مناسبة دينية فقط، بل بوصفه فرصة استراتيجية لصناعة الوعي، وبناء الإنسان، وترسيخ القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).
إن العالم اليوم يواجه تحديات معقدة، ويُعد الفساد المالي والإداري من أخطرها، لما يخلّفه من آثار مدمرة على التنمية والاستقرار والثقة بالمؤسسات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توظيف المناسبات الدينية الكبرى، وفي مقدمتها زيارة الأربعين، لتكون منطلقاً لنشر ثقافة النزاهة والمسؤولية المجتمعية، وربط السلوك اليومي بالمبادئ الإسلامية الأصيلة.
لقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعه الإصلاحي بقوله الخالد: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، وهي كلمات تختصر فلسفة النهضة الحسينية، وتؤكد أن الإصلاح قيمة مستمرة لا تنحصر بزمان أو مكان، وإنما تمتد لتشمل كل صور مواجهة الظلم والانحراف والفساد.
ومن هذا المنطلق، يضع مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي – فرع النجف الأشرف ضمن أولوياته إعداد مبادرات ثقافية تسهم في تحويل الزخم الجماهيري لزيارة الأربعين إلى منصة وطنية للتوعية، من خلال الشراكة مع المنابر الدينية، والجامعات، والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني، لإطلاق برامج تعزز قيم النزاهة، وتحافظ على المال العام، وتغرس ثقافة المسؤولية في نفوس الأجيال.
ويأتي المنبر الديني في مقدمة أدوات التغيير؛ لما يمتلكه من حضور واسع وتأثير عميق في وجدان المجتمع. فالخطيب الحسيني لا يكتفي بسرد أحداث الطف، بل يستطيع أن يربط بين رسالة كربلاء ومتطلبات الدولة الحديثة، وأن يؤكد أن الرشوة، واستغلال المنصب، والاعتداء على المال العام، والتهاون بالواجب الوظيفي، كلها ممارسات تتعارض مع مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي ضحّى بنفسه دفاعاً عن الحق والعدالة وصيانة كرامة الإنسان.
كما أن دعم جهود هيئة النزاهة لا ينبغي أن يقتصر على الإجراءات الرقابية والعقوبات القانونية، بل يبدأ من بناء ثقافة مجتمعية ترفض الفساد قبل وقوعه، وتجعل من النزاهة قيمة دينية ووطنية راسخة. فالقوانين تردع الفاسد، أما الوعي فيمنع صناعة الفساد من أساسها، وهو ما يجعل التثقيف المجتمعي شريكاً أساسياً في نجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.
إن المواكب الحسينية، والندوات الفكرية، والملتقيات الثقافية، والفعاليات الشبابية المصاحبة لزيارة الأربعين، تمثل بيئة مثالية لإطلاق رسائل توعوية تعزز قيم الأمانة والشفافية والإخلاص في خدمة المجتمع، وتؤكد أن حماية المال العام مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية مؤسسة بعينها.
ومن هنا، فإن استراتيجية مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي تنطلق من قناعة راسخة بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح الفكر، وأن بناء الإنسان الواعي هو الضمانة الأقوى لبناء الدولة الرشيدة. فكل مشروع تنموي يحتاج إلى بيئة يسودها القانون، وتحكمها النزاهة، ويصونها الضمير الحي.
وإن زيارة الأربعين ليست مجرد مسيرة نحو كربلاء، بل هي مسيرة نحو بناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح والدولة الصالحة، وإذا استطعنا أن نحوّل رسائل المنبر الحسيني إلى ثقافة يومية في العمل والإدارة والتعليم والأسرة، فإننا نكون قد أوفينا جانباً من رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) في الإصلاح. فالنزاهة ليست شعاراً يُرفع، بل سلوك يُمارس، والمال العام ليس ملكاً لمؤسسة أو مسؤول، بل أمانة في أعناق الجميع، وحمايته تمثل امتداداً عملياً للمبادئ التي استشهد من أجلها سيد الشهداء.
ومن كربلاء، كما انطلقت ثورة الإصلاح، يمكن أن تنطلق أيضاً ثورة الوعي، لتكون الأربعين مدرسة سنوية لبناء وطنٍ أكثر عدلاً ونزاهةً وازدهاراً.

