د.نبيل رحيم العبادي – خبير مالي و مصرفي
في خضم الأزمة الخانقة التي تعصف بالعراق، حيث تزداد الفجوة بين الالتزامات الحتمية كالرواتب وبين شح السيولة النقدية، يطفو على السطح مجدداً ذلك المقترح الذي يبدو في ظاهره منقذاً سريعاً، لكنه في جوهره يحمل بذور كارثة أعمق. الحديث هنا عن الدعوات المتكررة لطباعة عملة جديدة كحل لتعويض النقص الحاد في الدينار.
لننظر أولاً إلى المشهد من زاوية الأرقام التي يعلنها البنك المركزي العراقي. تشير أحدث البيانات لعام 2026 إلى أن إجمالي العملة المصدرة بلغ ما يقارب 112.9 تريليون دينار. الملفت والخطير في هذه الأرقام أن الجزء الأكبر من هذه السيولة، وتحديداً 104.5 تريليون دينار، يظل حبيس اكتناز الأفراد خارج المنظومة المصرفية، بينما لا يتوفر لدى المصارف سوى ما يقارب 8.75 تريليون دينار. هذا الواقع يفضح أزمة ثقة عميقة قبل أن يكون أزمة أوراق نقدية. فالمشكلة ليست في نقص الكتلة النقدية بمعناها المطلق، بل في تجميد الجزء الأكبر منها خارج دورة الاقتصاد، مما يعمق الشعور بالشح رغم ضخامة ما طبعته الدولة فعلياً.
وسط هذه المعادلة المختلة، يأتي طرح طباعة عملة جديدة وكأنه الدواء السحري. لكن أي خبير اقتصادي يعي تداعيات هذا القرار يدرك أننا أمام أخطر الحلول وأكثرها تدميراً إذا ما تم تطبيقه بمعزل عن غطاء إنتاجي حقيقي أو احتياطي أجنبي متين. إن ضخ كتلة نقدية جديدة دون أن يقابلها نمو في السلع والخدمات لا يعني سوى أمر واحد: إغراق السوق بدنانير ستفقد قيمتها تباعاً.
إن أخطر ما يمكن أن يترتب على هذه الخطوة هو فتح الباب على مصراعيه لموجة تضخم عاتية تلتهم القوة الشرائية للدينار. حينها، سيجد الموظف البسيط والمتقاعد والمستفيد من شبكات الرعاية الاجتماعية أن راتبه، الذي كان بالكاد يسد الرمق، قد تحول إلى مجرد رقم على ورق، لا قيمة حقيقية له في مواجهة الأسعار المتصاعدة. هذا التآكل في الدخل الثابت هو الظلم الاجتماعي بعينه.
ولأن الاقتصاد العراقي يعاني أصلاً من فجوة في العملة الأجنبية نتيجة تعثر الإيرادات النفطية، فإن التضخم المستورد سيكون الضربة القاضية. فارتفاع الطلب على الدولار في السوق الموازية، الذي سيتسارع مع تراجع الثقة بالدينار المطبوع حديثاً، سيدفع التجار إلى تسعير بضائعهم وفقاً لأعلى سعر صرف متوقع. والنتيجة النهائية ستكون حلقة مفرغة من الغلاء، يفقد فيها الدينار هيبته، وتفقد معه السياسة النقدية للدولة مصداقيتها داخلياً وخارجياً. في هذا المناخ، لا يمكن الحديث عن استثمار أو تعافٍ، فالمستثمر، أجنبياً كان أم محلياً، يبحث عن عملة مستقرة لا عن فوضى نقدية تهدد رؤوس أمواله.
إذا كان طبع العملة هو الطريق الأسهل نحو الهاوية، فإن هناك مسارات أخرى أكثر حكمة وألماً أقل على المدى البعيد. يمكن للدولة أن تتجه نحو إصدار حوالات خزينة مصممة بعناية لتمويل العجز الملح، شريطة أن تكون جذابة بما يكفي للمصارف والمستثمرين لسحب جزء من تلك السيولة الهائلة المكتنزة وإعادتها إلى دورة الاقتصاد بشكل منضبط. بالتوازي مع ذلك، لا مفر من جراحة اقتصادية حقيقية تبدأ بإعادة هيكلة شاملة للإنفاق العام، بحيث يتم وقف النزيف في النفقات غير الضرورية، وتنتهي بتفعيل حقيقي وجاد لجباية الإيرادات غير النفطية التي أُهملت لعقود. الحل الجذري يكمن في تنسيق متناغم بين السياسة المالية والنقدية، يضمن سد فجوة السيولة العابرة دون أن يضحي باستقرار الأسعار أو قيمة الدينار، التي هي خط الدفاع الأخير عن لقمة عيش العراقيين.
الخلاصة التي يجب أن تترسخ في الوعي العام هي أن السيولة ليست مجرد أوراق تُطبع، بل هي ثقة تُبنى على إنتاج حقيقي وإدارة رشيدة. أي حل يتجاهل هذه الحقيقة لا يقدم علاجاً، بل يضيف أزمة جديدة فوق أزمة.

