د. مثنى الغانمي – باحث وصحفي
يمتلك العراق اليوم فرصة حقيقية لإعادة صياغة سياسته الاستثمارية بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية، عن طريق تنويع مصادر الدخل، الذي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات الاقتصادية ومتطلبات التنمية المستدامة، التي تستدعي بناء منظومة اقتصادية رصينة ومتنوعة.
ورغم ما شهدته السياسة الاستثمارية خلال السنوات الماضية من تحديات ومعوقات، إلا أن الواقع كشف عن الحاجة إلى مراجعة العديد من الآليات والإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وطول دورة اتخاذ القرار، بما يعزز قدرة العراق على استقطاب الاستثمارات بالشكل الذي يتناسب مع ما يمتلكه من إمكانات اقتصادية وجغرافية وبشرية.
وفي المقابل، فإن مقومات ومؤشرات النجاح لا تزال حاضرة بقوة، فالعراق يمتلك موقعاً استراتيجياً يربط أسواق المنطقة، وموارد طبيعية هائلة، وسوقاً استهلاكية ضخمة، فضلاً عن فرص استثمارية واعدة في قطاعات الصناعة والطاقة والإسكان والزراعة والنقل والخدمات، غير أن هذه المقومات تحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة تقوم على وضوح التشريعات، وسرعة الإجراءات، وحماية المستثمر، وتقديم مشاريع مدروسة وقابلة للتنفيذ، بما يعزز ثقة رأس المال المحلي والدولي.
كما أن السباق الإقليمي على استقطاب الاستثمارات بات أكثر احتداماً، وهو ما يتطلب الانتقال من سياسة انتظار المستثمر إلى سياسة المبادرة في تسويق الفرص الاستثمارية، وبناء شراكات حقيقية مع المؤسسات الاقتصادية العالمية وصناديق الاستثمار والشركات الدولية، وفق رؤية اقتصادية واضحة تجعل العراق حاضراً في خارطة الاستثمار الدولية.
ومن وجهة نظري، لا يكتمل هذا التحول من دون إدراك أهمية الإعلام بوصفه أحد أدوات التنمية الاقتصادية، وليس مجرد وسيلة لنقل أو نشر الأخبار، فالإعلام الاستثماري الاحترافي يسهم في بناء الصورة الذهنية للعراق، ويعزز ثقة المستثمر، ويقدم الفرص الاستثمارية بلغة اقتصادية تستند إلى البيانات والشفافية والإنجاز. ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية إعلامية متخصصة تعتمد على الكفاءات الوطنية في الإعلام الاقتصادي والتسويق والعلاقات الدولية، وتستثمر الوسائل الرقمية والمنصات العالمية للتعريف بفرص العراق الاستثمارية وإبراز قصص النجاح، بما يحول الإعلام إلى شريك فاعل في جذب الاستثمار.
بيد أن نجاح السياسة الاستثمارية لن يقاس بعدد الإجازات الممنوحة، بل بحجم المشاريع المنفذة، ورؤوس الأموال المستقطبة، وفرص العمل المتحققة، ومدى مساهمة الاستثمار في تنويع الاقتصاد الوطني. فعندما تتكامل الإصلاحات التشريعية والإدارية مع الترويج الاحترافي للفرص الاستثمارية، سيكون العراق قادراً على الانتقال من بلد يمتلك الفرص إلى دولة تجذب الاستثمار بثقة وتنافسية، وتؤسس لشراكات اقتصادية مستدامة تعزز النمو وتخدم مستقبل الوطن.

