قبل الانفجار.. أعيدوا بناء الدولة!

علي قاسم – كاتب سياسي عراقي

لا تختبر الأزمات قوة الدول فقط، إنها تختبر قدرتها على مراجعة نفسها. فخلال سنوات الوفرة تستطيع الحكومات تأجيل كثير من القرارات الصعبة، ويصبح من السهل التعايش مع أخطاء تتراكم بصمت داخل مؤسسات الدولة. لكن عندما تتراجع الموارد، وتتعرض المالية العامة إلى ضغوط متزايدة، تتغير طبيعة الأسئلة، فلا يعود البحث مقتصراً على كيفية تجاوز الأزمة، وإنما يمتد إلى البحث في شكل الدولة نفسها، وهل ما زالت قادرة على الاستمرار بالهيكل الذي تعمل به منذ سنوات.

العراق يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات، فالضغوط المالية التي فرضتها التطورات الإقليمية وتراجع الصادرات النفطية تستدعي معالجة عاجلة، غير أن الاكتفاء بالحلول المالية لن يعالج أصل المشكلة، لأن الأزمة كشفت شيئاً أكثر عمقاً. كشفت أن الدولة بحاجة إلى مراجعة شاملة لأولوياتها، ولطريقة توزيع مواردها، وللفلسفة التي بُنيت عليها مؤسساتها طوال العقدين الماضيين.

ولم تتوسع الدولة العراقية خلال هذه السنوات لأنها كانت تحتاج دائماً إلى مؤسسات جديدة تؤدي وظائف جديدة، فمع مرور الوقت أصبح التوسع في الجهاز الإداري انعكاساً لمنهج سياسي قائم على المحاصصة وتقاسم النفوذ والإرضاءات بين القوى المتنافسة. واستُحدثت هيئات ووزارات وتشكيلات ومناصب عليا ودرجات خاصة، وتوسع عدد الوكلاء والمستشارين، وأنشئت بعض الجامعات والكليات والتخصصات الجديدة. وفي حالات كثيرة لم يكن الدافع هو حاجة الدولة الفعلية، وإنما الحاجة إلى إنتاج توازنات سياسية جديدة واستيعاب تفاهمات السلطة. وهكذا لم تعد الدولة تتوسع لأنها تحتاج إلى مؤسسات إضافية، وإنما أصبحت تنشئ مؤسسات إضافية لأنها تحتاج إلى استيعاب توازنات سياسية جديدة.

ومع مرور الأعوام تحول هذا المسار إلى أمر اعتيادي، فكل استحقاق سياسي كان يضيف طبقة جديدة إلى البناء الإداري، وكل تسوية كانت تترك وراءها مؤسسة أو منصباً أو تشكيلاً جديداً، حتى أصبحت كلفة إدارة الدولة ترتفع بصورة مستمرة، في حين لم يتحقق الارتفاع نفسه في كفاءة الخدمات، أو في جودة الإدارة، أو في قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للأزمة الراهنة، فهي ليست مناسبة للبحث عن إجراءات تقشف مؤقتة، وإنما فرصة لإعادة طرح سؤال كان ينبغي أن يُطرح منذ سنوات: هل يحتاج العراق فعلاً إلى كل هذا الحجم من المؤسسات والمجالس والهيئات والمناصب التي تراكمت خلال أكثر من عشرين عاماً؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة تصميم الدولة بما ينسجم مع مصالح العراق الاقتصادية والاستراتيجية، بعيداً عن الاعتبارات التي فرضتها توازنات مرحلة مضت؟

هذا السؤال لا يستهدف مؤسسة بعينها، ولا يوجه الاتهام إلى جهة دون أخرى، إنه يتعلق بفلسفة إدارة الدولة نفسها. فالدولة القوية لا تُعرف بكثرة مؤسساتها، وإنما بقدرتها على توظيف مواردها في المكان الذي يحقق أعلى منفعة للمجتمع. وكل مؤسسة لا تضيف قيمة حقيقية تستحق أن تخضع للمراجعة، لأن الحفاظ على الدولة يختلف عن الحفاظ على كل ما تراكم داخلها عبر السنوات.

وإذا كان هذا هو جوهر المشكلة، فإن أي إصلاح جاد يجب أن يبدأ من مراجعة شاملة لا تستثني أحداً. فالدول لا تتقدم عندما تضيف مؤسسة جديدة مع كل أزمة، وإنما عندما تمتلك الشجاعة لإعادة تقييم ما لديها. والنجاح في بناء الدولة لا يقاس بعدد الهياكل التي تنشئها، وإنما بقدرتها على التمييز بين ما يخدم المصلحة العامة، وما أصبح مجرد امتداد لتوازنات سياسية فقدت مبرراتها.

وعلى هذا الأساس ينبغي أن تخضع جميع مفاصل الدولة إلى تقييم موضوعي يعتمد معياراً واحداً: هل ما زالت هذه المؤسسة تحقق الغاية التي أنشئت من أجلها؟ وهل يتناسب ما تنفقه الدولة عليها مع القيمة التي تقدمها للمجتمع؟ فهذا المعيار يجب أن يُطبق على الجميع، من مجالس المحافظات التي أثارت منذ سنوات نقاشاً واسعاً حول كلفتها وجدوى استمرارها، إلى تضخم الدرجات الخاصة، والمناصب العليا من وكلاء ومستشارين، حيثما تجاوزت الحاجة الفعلية، إلى الهيئات التي تتداخل اختصاصاتها، وبعض الوزارات التي يمكن إعادة تنظيمها أو دمجها، والتوسع في استحداث بعض الجامعات والكليات والتخصصات التي لم ترتبط دائماً بخطط التنمية ولا بحاجات سوق العمل.

ولا يتعلق الأمر بإلغاء مؤسسات لمجرد تقليل عددها، لأن الدولة التي تضعف أدواتها الإدارية تضعف قدرتها على إدارة المجتمع. القضية تتعلق بإعادة تعريف وظيفة كل مؤسسة، فإذا كانت تضيف قيمة حقيقية إلى الاقتصاد أو الإدارة أو الخدمات العامة، فإن استمرارها يصبح ضرورة، أما إذا تحولت إلى حلقة تستهلك الموارد من دون أثر ملموس، فإن الإبقاء عليها يعني استمرار استنزاف المال العام على حساب أولويات أكثر إلحاحاً.

وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال الكلفة إلى سؤال الفرصة. فكل دينار يذهب إلى مؤسسة لم تعد تحقق الغاية التي أنشئت من أجلها، ليس مجرد مبلغ يخرج من الموازنة، إنه فرصة تضيع على العراق: فرصة لبناء مصنع جديد، أو تطوير مشروع زراعي، أو إنشاء مدينة صناعية، أو تحديث البنية التحتية، أو دعم الشركات الوطنية، أو تمويل البحث العلمي، أو الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد الرقمي. فالمشكلة ليست في حجم الإنفاق وحده، وإنما في الاتجاه الذي يسلكه هذا الإنفاق.

وفي الوقت الذي تعيد فيه دول المنطقة توجيه مواردها نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة، ما يزال العراق يستهلك جانباً مهماً من ثروته في تمويل جهاز إداري تضخم عبر سنوات طويلة. والفارق بين التجربتين لا يقاس بحجم الأموال فقط، وإنما بطريقة التفكير. فهناك من ينظر إلى المال العام بوصفه استثماراً في المستقبل، وهناك من يبقيه أسيراً لتراكمات الماضي.

ومن هنا فإن إعادة تصميم الجهاز الإداري للدولة ليست مشروعاً لتقليل النفقات فحسب، إنها مشروع لإعادة توجيه الثروة الوطنية نحو القطاعات التي تنتج قيمة مضافة حقيقية، لأن الاقتصاد لا ينمو بزيادة عدد المؤسسات، وإنما بزيادة عدد المشاريع المنتجة. ولا تُبنى القوة المالية للدول بكثرة المناصب، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى فرص عمل، وصناعة، وزراعة، واستثمار، وابتكار. وهذا هو التحول الذي يحتاجه العراق إذا أراد أن ينتقل من اقتصاد يستهلك ثروته إلى اقتصاد يصنع ثروات جديدة.

غير أن الوصول إلى هذا التحول يتطلب، قبل كل شيء، إرادة سياسية تدرك أن الحفاظ على الدولة يختلف عن الحفاظ على الصيغ التي أدارتها خلال السنوات الماضية. فالدول لا تبقى قوية لأنها تتمسك بكل ما ورثته من هياكل إدارية، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة لتغيير ما أثبت الواقع أنه لم يعد ينسجم مع مصالحها العليا.

وقد يثار هنا اعتراض مشروع، وهو أن جانباً من هذه المؤسسات يستند إلى قوانين نافذة، وأن بعضها يستند إلى نصوص دستورية. وهذا صحيح، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب يمنع الإصلاح. فالدستور وُضع لحماية الدولة وتنظيم سلطاتها وخدمة المجتمع، ولم يوضع ليمنع الدولة من تطوير نفسها عندما تتغير الظروف. وكل الدساتير الحديثة تتيح آليات قانونية لتعديل نصوصها عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك. ولهذا فإن مراجعة بعض التشريعات، أو تعديل بعض النصوص الدستورية عبر الإجراءات التي يرسمها الدستور نفسه، لا يُعد خروجاً على النظام الدستوري، وإنما استخداماً لأدواته من أجل حماية مستقبل البلاد.

ولا ينبغي أن يُنظر إلى هذه الدعوة على أنها استهداف لمؤسسة أو لمنصب أو لفئة بعينها، فالحديث لا يتعلق بأسماء، وإنما بفلسفة إدارة الدولة. وإذا أثبت التقييم المهني أن مؤسسة معينة تحقق نتائج تتناسب مع ما يخصص لها من موارد، فإن بقاءها يصبح مصلحة وطنية. وإذا أثبت التقييم أن مؤسسة أخرى لم تعد تحقق الغاية التي أنشئت من أجلها، فإن إعادة تنظيمها أو دمجها أو إنهاء عملها يصبح قراراً يخدم الدولة قبل أن يخدم المالية العامة.

إن بناء الدول لا يبدأ من زيادة الإنفاق، وإنما من حسن توجيهه. والدول التي نجحت في التحول إلى اقتصادات قوية لم تصل إلى ذلك لأنها امتلكت موارد أكثر من غيرها فقط، وإنما لأنها أحسنت إدارة تلك الموارد. فكل مشروع إنتاجي يولد دخلاً جديداً، وكل استثمار في الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا أو البنية التحتية يخلق دورة اقتصادية تمتد آثارها لسنوات، بينما يبقى الإنفاق على الهياكل التي فقدت ضرورتها إنفاقاً استهلاكياً لا ينتج قيمة مضافة ولا يبني مستقبلاً.

ولهذا فإن الأزمة الراهنة يجب أن تعجل بهذا النقاش، لا أن تؤجله، لأنها أثبتت أن استمرار الدولة بالهيكل نفسه، وبالأولويات نفسها، وبمعدلات الإنفاق نفسها، يحمل مخاطر أكبر من كلفة الإصلاح. وتأجيل القرار اليوم قد يجعل اتخاذه غداً أكثر صعوبة وأكثر إيلاماً، فالإصلاح الذي يأتي بإرادة الدولة يبقى أقل كلفة من الإصلاح الذي تفرضه الأزمات.

وهنا تكتسب هذه المراجعة معناها الحقيقي، فهي ليست خياراً سياسياً يمكن تأجيله، ولا مشروعاً إصلاحياً يُطرح عند تحسن الأوضاع المالية، إنها ضرورة لحماية الدولة نفسها، لأن استمرار الضغوط الاقتصادية، مع الإبقاء على الهياكل الإدارية التي تستنزف المال العام من دون عائد يتناسب مع كلفتها، يعني أن العراق سيواصل استهلاك موارده في إدارة الماضي بدلاً من الاستثمار في المستقبل.

وعندما يُطلب من المواطن أن يتحمل نتائج الأزمات، بينما لا يرى مراجعة حقيقية للمؤسسات والمناصب والامتيازات التي تثقل كاهل الدولة، فإن الثقة تبدأ بالتآكل تدريجياً. ومع تراجع الثقة يتسع الاحتقان، وعندما يتراكم الاحتقان داخل مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، فإن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بالاتجاه الذي قد تسلكه الأحداث.

ولهذا فإن إعادة بناء الدولة لم تعد قضية إدارية أو مالية فقط، إنها قضية استقرار وطني. وإذا بقيت المراجعة مؤجلة، واستمر الهدر في مؤسسات ومناصب لم تعد تضيف قيمة تتناسب مع ما تستهلكه من موارد، فإن خطر الاحتقان الشعبي سيزداد مع مرور الوقت، وحينها قد يجد العراق نفسه أمام انفجار اجتماعي وسياسي واسع لا يستطيع أحد أن يتوقع مساره أو حجم تداعياته على الدولة والمجتمع.

لقد منحت الأزمة العراق فرصة قد لا تتكرر قريباً، والقرارات التي ستتخذ اليوم ستحدد شكل الدولة لسنوات طويلة مقبلة. فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية مشروع وطني يعيد تعريف وظيفة الدولة، ويحرر مواردها، ويطلق اقتصادها نحو آفاق أوسع، وإما أن تضيع فرصة أخرى في انتظار أزمة جديدة تكون كلفتها أكبر. فالتاريخ لا يعاقب الدول لأنها أخطأت، وإنما لأنها أصرت على تكرار الخطأ بعد أن أدركت موضع الخلل.

لقد منحت الأزمة العراق فرصة نادرة لإعادة النظر في شكل دولته، وفرصة لمراجعة مؤسسات تشكلت في ظروف مختلفة، وإعادة توجيه الموارد نحو الاقتصاد المنتج، والاستثمار، والبنية التحتية، والتعليم، والصناعة، والزراعة. وهي فرصة قد لا تتكرر إذا عاد الجميع إلى إدارة الأزمة بالأساليب نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة.

إن المراجعة التي يحتاجها العراق اليوم ليست خياراً سياسياً، ولا ترفاً فكرياً، إنها ضرورة وطنية لحماية الدولة قبل أي شيء آخر، لأن استمرار الضغوط المالية، مع تراجع الموارد، وتعثر الوفاء ببعض الالتزامات المالية، وبقاء الهدر في مؤسسات ومناصب لم تعد تضيف قيمة تتناسب مع ما تستهلكه من المال العام، سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. ومع اتساع هذه الفجوة تتراجع الثقة، ويتصاعد الاحتقان، وتصبح الأزمات الاقتصادية أكثر خطورة من أرقامها المجردة.

وقد تستطيع الدولة تجاوز الأزمة الحالية، وقد تتحسن الإيرادات في مرحلة لاحقة، لكن ذلك لن يعفيها من استحقاق الإصلاح، لأن المشكلة الحقيقية ليست في أزمة عابرة، وإنما في بنية تحتاج إلى إعادة تصميم بما ينسجم مع مصالح العراق في العقود المقبلة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تؤجل هذه المراجعة مرة أخرى، فحين تتراكم الأزمات الاقتصادية، وتتراجع قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، ويشعر المواطن أن كلفة الإخفاقات تقع عليه وحده، بينما تبقى مواطن الهدر بعيدة عن أي إصلاح، فإن البلاد قد تقترب من لحظة يتحول فيها الاحتقان المتراكم إلى بركان شعبي واسع، وعندها لن يستطيع أحد أن يتوقع الاتجاه الذي ستسلكه الأحداث، ولا حجم الكلفة التي سيدفعها العراق بأكمله.

ولهذا فإن القرار الذي يحتاجه العراق اليوم ليس قراراً مالياً فحسب، إنه قرار بإعادة بناء الدولة على أسس الكفاءة والإنتاج والمصلحة الوطنية، قبل أن تتحول أزمة يمكن إدارتها إلى أزمة قد يصعب احتواء نتائجها.