رسالة الرياض في بريد بغداد: التنسيق الاستخباري يقطع طريق «دبلوماسية المسيرات»

بغداد | شبكة إنماز نيوز

في توقيتٍ يُشبه السير على حافة صفيحٍ أمنيٍّ وسياسيٍّ شديد السخونة، حطّ رئيس جهاز الاستخبارات العامة في المملكة العربية السعودية، خالد بن علي الحميدان، رحاله في العاصمة العراقية بغداد، حاملاً في جعبته ملفاتٍ أمنيةً استراتيجية تتجاوز في أبعادها حدود البروتوكول الدبلوماسي التقليدي.

الزيارة التي تُوّجت بلقاء رئيس مجلس الوزراء العراقي، تسلط الضوء على تسارع وتيرة الاتصالات الأمنية المكثفة بين الرياض وبغداد للسيطرة على تداعيات المشهد الإقليمي المعقد، ولجم إيحاءات التهديد الوشيك التي باتت تخيم على ممرات المنطقة الحيوية ومسارات استقرارها المتأرجح.

تأتي هذه التحركات الاستثنائية رفيعة المستوى في أعقاب التطورات الميدانية الخطيرة الناجمة عن الضربات الجوية المزدوجة التي استهدفت مقرات لـ”الحشد الشعبي”، وما تلاها من تصاعد حادّ ونبرة وعيد صريحة صادرة عن فصائل مسلحة توعدت بالرد المباشر واستهداف العمق السعودي أو المصالح الإقليمية المرتبطة به.

في ظل هذا المنحنى الأمني الحرج، لم تكن زيارة المسؤول الاستخباري السعودي الأرفع مجرد خطوة شرفية لنقل دعوة رسمية لرئيس الوزراء العراقي لزيارة الرياض، بل جاءت بمثابة عملية إطفاء أمني سريع ومباشر لاحتواء فتيل أزمة كانت على وشك الانفجار، واستباق أي سيناريو يستهدف خلط الأوراق أو جَر المنطقة إلى دوامة جديدة من التصعيد المتبادل وغير المحسوب.

دبلوماسية الاستخبارات: قنوات مفتوحة في زمن الانقسام الإقليمي
تؤكد هذه الزيارة أن القيادة السعودية باتت تعتمد استراتيجية «الدبلوماسية الأمنية الاستباقية» والتنسيق المباشر مع مراكز القرار في دول الجوار، بغية حماية أمنها القومي وتفادي الحسابات الميدانية الخاطئة التي قد تفرضها أطراف غير حكومية. إن إيفاد أعلى مسؤول استخباري في المملكة إلى بغداد يبعث بركام من الرسائل السياسية والأمنية ذات الشقين الأساسيين:

الشق الأول: تأكيد الرغبة الصريحة والراسخة في تعزيز الشراكة مع الحكومة العراقية، وتأكيد دعم الرياض لمؤسسات الدولة الشرعية في مواجهة محاولات اختطاف القرار الأمني أو التغول على صلاحيات المؤسسات العسكرية الرسمية.

الشق الثاني: إشعار السلطات التنفيذية في بغداد بأن الأمن الإقليمي وأمن الخليج العربي يُعتبر خطاً أحمر لا يقبل التجزئة، مما يتطلب اتخاذ إجراءات حازمة وميدانية لمنع المغامرات التي قد خوضها أطراف مسلحة تسعى لتوظيف الجغرافيا العراقية لخدمة أجندات وتوازنات إقليمية عابرة للحدود.

من جانبها، تجد الحكومة العراقية نفسها في موقع الاختبار الأكثر صعوبة وتعقيداً منذ تشكيلها؛ فهي مطالبة بفرض هيبة الدولة وصون سيادتها الوطنية ضد أي اعتداءات خروجية، وفي الوقت ذاته، كبح جماح الفصائل المسلحة الراغبة في الالتفاف على القرار الأمني والمواقف السياسية الرسمية للدولة.

ومن هنا، جاءت تصريحات رئيس الوزراء العراقي صريحة ومباشرة خلال اللقاء، حيث شدد على الالتزام الدستوري الثابت بعدم السماح بانتهاك السيادة العراقية من أي طرف كان، وفي المقابل عدم القبول مطلقاً باستخدام الأراضي العراقية كمنطلق لأعمال عدائية أو نشاطات تمس أمن واستقرار دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من مبادئ حسن الجوار والالتزامات القانونية والأخلاقية.

التنسيق الميداني: مواجهة «الدرون»  بالمعلومات الاستخبارية

لم يقتصر اللقاء بين رئيس الوزراء العراقي ورئيس الاستخبارات السعودية على تبادل المجاملات الدبلوماسية وتكرار المواقف المبدئية المعلنة، بل تعداه إلى بحث وتطوير آليات عمل أمنية ميدانية مشتركة تعتمد بالأساس على التنسيق الاستخباري المكثف وتبادل المعلومات اللحظية والآنية.

يمثل هذا الاتفاق حجر الزاوية في بناء منظومة إنذار مبكر تتيح للأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية تتبع أي تحركات مشبوهة أو نوايا لوجستية لتنفيذ هجمات بالمسيرات أو الصواريخ عابرة للحدود، ومن ثم قمعها وإجهاضها في مهدها وفق الأطر القانونية والمؤسسية للدولة.

إن الاعتماد على قناة الشراكة الاستخبارية المباشرة بين بغداد والرياض يعكس إدراكاً عميقاً لدى الطرفين بأن المواجهة الدبلوماسية والاكتفاء بالبيانات الإعلامية لم يعد كافياً لوقف التهديدات المتزايدة.

بات الأمر يتطلب جهداً استخبارياً وميدانياً مضاعفاً يُفوت الفرصة على الأطراف التي تحاول الزج بالعراق في أتون صراعات إقليمية طاحنة، وتوظيف أراضيه كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والأمنية بين القوى الكبرى والإقليمية المتصارعة.

توازنات السلاح وضغوط المحاور وتعقيدات المشهد الداخلي في بغداد

تتعاظم أهمية هذا التحرك الاستخباري عند قراءة التعقيدات الداخلية التي تحيط بالقرار السياسي العراقي. ففي الوقت الذي تسعى فيه بغداد إلى تقديم نفسها كفاعل إقليمي متزن وراعي للحوارات الإقليمية، تواجه ضغوطاً متزايدة من أطراف داخلية ترى في التطورات الأخيرة فرصة لفرض معادلات جديدة بالقوة. إن محاولة الفصائل المسلحة استغلال الضربات الأخيرة لتبرير استهداف الجوار يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع مفهوم «احتكار الدولة للسلاح والقرار»، ويجعل من زيارة الحميدان رسالة دعم لحكومة بغداد للتمسك بسيادتها وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

إن الرياض تدرك جيداً أن ضعف الدولة المركزية في العراق يفتح الثغرات أمام نفوذ الفصائل العابرة للحدود، ومن هذا المنظر فإن الدعم السعودي لبغداد لا يتوقف عند الحدود الأمنية الضيقة، بل يمتد ليشكل غطاءً سياسياً واقتصادياً يهدف إلى إعطاء الحكومة العراقية الهامش الكافي للمناورة وفرض تطبيق القانون على الجميع، دون الرضوخ للضغوط التي تمارسها الجماعات المسلحة.

التوازن الحرِج ومستقبل الاستقرار الإقليمي

تضع هذه التطورات الدولة العراقية أمام واقع جديد وبناء خيارات استراتيجية تستدعي الموازنة الدقيقة بين معطيات السيادة الوطنية والالتزامات الأمنية الحيوية مع جيرانها.

تحاول بغداد عبر هذه اللقاءات رفيعة المستوى تثبيت معالم سياستها القائمة على “النأي بالنفس” عن سياسة المحاور المتصارعة، والاضطلاع بدور الجسر الناقل للحوار والتهدئة بين الفرقاء الإقليميين، بدلاً من أن تكون مسرحاً للحروب بالوكالة أو منصة لاستهداف أمن الجوار الخليجي.

في المقابل، فإن السعودية، برفعها مستوى التنسيق الاستخباري المباشر مع الحكومة العراقية وتجديد الدعوة الرسمية لرئيس الوزراء لزيارة الرياض، تؤكد راهنها الاستراتيجي على تقوية الدولة العراقية ومؤسساتها الرسمية، كونه الخيار الوحيد والمستدام لضمان أمن الحدود المشتركة والاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

إن المرحلة المقبلة ستكون بمثابة اختبار حقيقي وقاسٍ لقدرة السلطات في بغداد على ترجمة هذه التفاهمات الاستخبارية إلى إجراءات ملموسة وفاعلة على الأرض.

إن نجاح التنسيق بين الرياض وبغداد لن يتوقف عند حدود السيطرة على الأزمة الراهنة واحتواء التهديدات الفورية، بل سيحدد شكل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة برمتها؛ فإما أن تنجح مؤسسات الدولة العراقية في فرض سلطتها وتحصين حدودها ومواجهة السلاح المنفلت، أو تبقى المنطقة رهينة لتوازنات الردع القلقة واحتمالات الاشتعال المباغت عند كل منعطف سياسي أو أمني جديد.