الرياض | شبكة إنماز نيوز
كشف تحقيق موسع نشرته صحيفة الشرق الأوسط السعودية، عن ما وصفه بـ«الخوارزمية المالية» التي تدير ما يعرف بـ«المكاتب الاقتصادية» التابعة لأحزاب وقوى سياسية عراقية، والتي تطورت، بحسب التحقيق، إلى شبكة مالية موازية تستحوذ على جزء كبير من المال العام، وتعيد تشكيل النفوذ السياسي والاقتصادي في البلاد عبر منظومة معقدة من العقود والشركات والوسطاء.
ويبدأ التحقيق برواية تعود إلى عام 2010، عندما واجه محقق مالي متهماً بقضية اختلاس، ليفاجأ بإجابته بأن لديه «مليون دولار احتياطياً» كفيلة بإخراجه من غرفة التحقيق، في إشارة إلى وجود منظومة حماية تمتد إلى ما هو أبعد من الأفراد، لتشمل شبكات مالية وسياسية متكاملة.
وبحسب التحقيق، فإن هذه «المكاتب الاقتصادية» نشأت بعد عام 2003، وتطورت تدريجياً منذ عام 2006، لتتحول إلى مؤسسات غير رسمية تتولى إدارة العقود الحكومية والعمولات، مستفيدة من النفوذ السياسي والتمثيل البرلماني، فيما تشير شهادات مسؤولين ومحققين سابقين إلى أن هذه الشبكات مرت بثلاث مراحل من التطور حتى أصبحت قادرة على إنتاج مكاتب فرعية وشركات واجهة تعمل داخل الوزارات والمحافظات.
ويقدر الخبير الاقتصادي صادق الركابي، وفق ما أورده التحقيق، أن حجم الأموال التي تستحوذ عليها هذه الشبكات يبلغ نحو 15.3 مليار دولار سنوياً من الموازنة العامة، أي ما يقارب 10 في المائة من الإنفاق الحكومي، فيما تنتشر قرابة 40 شبكة اقتصادية تضم نحو 200 خلية نفوذ داخل مؤسسات الدولة، وترتبط بأكثر من 1000 شركة واجهة ومقاول.
وأشار التحقيق إلى أن الحكومة العراقية السابقة أدارت منذ عام 2023 موازنة تمتد لثلاث سنوات بقيمة تقارب 450 مليار دولار، بينما يؤكد رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي أنه تسلم الخزينة العامة وفيها نحو مليار دولار فقط، وهو ما يضع، بحسب التحقيق، حجم الإنفاق والموارد المالية تحت دائرة التساؤلات.
ويشرح التحقيق آلية عمل هذه الشبكات من خلال تأسيس شركات وسيطة تتسلم العقود الحكومية ثم تعيد إحالتها إلى شركات منفذة مقابل اقتطاع نسب من الأرباح، بدلاً من تنفيذ المشاريع مباشرة. ويورد مثالاً لعقد تبلغ كلفته التخمينية 6 ملايين دولار، فيما يقدم المقاول عرضاً بقيمة 16 مليون دولار، ليصل هامش الربح إلى 10 ملايين دولار، قبل التفاوض على اقتطاع نسب قد تصل إلى 35 في المائة من الأرباح، بما يعادل 3.15 مليون دولار في صفقة واحدة.
ويتناول التحقيق أيضاً ملف قطاع النفط، مشيراً إلى أن الاعتقالات التي شهدها العراق خلال عملية «صولة الفجر» في يونيو 2026 طالت مسؤولين بارزين، من بينهم وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، الذي تقول المصادر إنه تمكن من تمرير عقود لمصافي الشمال بقيمة تقارب 4 مليارات دولار منذ عام 2023، بينها عقود لشراء معدات من رومانيا بقيمة 450 مليون دولار، يقال إنها لم تكن مطابقة للمواصفات الفنية المطلوبة.
كما يتطرق التحقيق إلى ما يسميه «اقتصاديات النفط الأسود»، موضحاً أن شبكات تهريب مرتبطة بمكاتب اقتصادية تحقق أرباحاً تصل إلى 2.6 مليار دولار سنوياً من خلال تهريب زيت الوقود وخلطه بشحنات إيرانية ثم تصديره بوثائق عراقية، وفق شهادات مسؤولين ومصادر مطلعة نقلتها الصحيفة.
وفي سياق متصل، يذكر التحقيق أن بعض الوسطاء الماليين أصبحوا يديرون مئات الملايين من الدولارات، مشيراً إلى معلومات متداولة عن مغادرة شخصين البلاد ومعهما نحو 500 مليون دولار مرتبطة بقضية عدنان الجميلي، مع تأكيد الصحيفة أن القضاء العراقي لم يصدر تعليقاً رسمياً بهذا الشأن.
ويرى التحقيق أن الأموال النقدية الضخمة التي ضبطتها السلطات العراقية خلال الأشهر الأخيرة، والمخبأة داخل منازل ومزارع وحتى قنوات لتصريف المياه، لم تكن سوى جزء من منظومة مالية أكبر تعتمد على السيولة النقدية لتسديد الرشاوى والعمولات وتمويل الحملات الانتخابية.
وفي الجانب السياسي، يشير التحقيق إلى أن المفاوضات التي تعقب الانتخابات لا تقتصر على توزيع الوزارات، بل تمتد، وفق مصادره، إلى إعادة توزيع «المكاتب الاقتصادية» وحصصها داخل مؤسسات الدولة، بما يجعل النفوذ المالي جزءاً أساسياً من معادلة تشكيل الحكومات.
ويخلص تحقيق الشرق الأوسط إلى أن حملة «صولة الفجر» تستهدف حتى الآن الحلقة الثانية من هذه الشبكات، بينما تبقى البنية العليا للمكاتب الاقتصادية أكثر تعقيداً، معتبراً أن تفكيكها يتطلب إعادة هندسة النظام المالي والإداري للدولة، إلى جانب دعم قضائي ودولي واسع، إذا ما أريد الوصول إلى الرؤوس التي تدير هذه المنظومة المالية الممتدة منذ أكثر من عقدين.

