علي قاسم | كاتب سياسي عراقي
نادراً ما يتكرر رقم واحد في التاريخ ويحمل معنيين متناقضين. ففي الذاكرة الإسلامية ارتبط الرقم اثنا عشر بمدرسة صنعت أمة. ورسخت منظومة أخلاقية ما زال أثرها حاضراً بعد قرون طويلة. وفي العراق المعاصر يتصدر المشهد اثنا عشر سياسياً. يعلن كثير منهم صباح مساء أنهم يسيرون على نهج الأئمة الاثني عشر عليهم السلام. وبين الرقمين تقف الدولة العراقية شاهداً على مفارقة كبيرة. فالتشابه توقف عند العدد. ثم بدأت رحلة طويلة من الاختلاف في معنى القيادة. وفي فهم المسؤولية. وفي العلاقة مع السلطة.
لم يكن الأئمة عليهم السلام أصحاب مشروع يبحث عن الحكم لذاته. فقد عاش أكثرهم بعيداً عن السلطة. وبعضهم واجه السجن. والإقامة القسرية. والملاحقة. والاستشهاد. ومع ذلك لم يتراجعوا عن مبدأ. ولم يجعلوا سلامتهم الشخصية مقدمة على رسالتهم. ولم يتحول الحق عندهم إلى شعار يرفع عند الحاجة ويغيب عند أول اختبار. ولهذا بقي حضورهم حياً في ضمير الأمة. لأن الناس لم تحفظ أسماءهم بسبب ما امتلكوه من سلطان. وإنما بسبب ما قدموه من نموذج أخلاقي بقي صالحاً لكل زمان.
وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق التأمل. فحين يعلن سياسي انتماءه إلى مدرسة الأئمة عليهم السلام. فإنه لا يقدم تعريفاً لهويته الدينية فحسب. وإنما يضع تجربته السياسية أمام ميزان شديد الصرامة. لأن هذه المدرسة لم تجعل القيادة امتيازاً. وإنما تكليفاً. ولم تنظر إلى المال العام بوصفه غنيمة. ولا إلى الدولة باعتبارها مساحة لتقاسم النفوذ. ولا إلى السلطة باعتبارها غاية يبرر الوصول إليها كل الوسائل. ومن الطبيعي أن يقارن الناس بين المبادئ التي يسمعونها. والنتائج التي يعيشونها كل يوم
وحين يصبح الانتماء إلى مدرسة الأئمة جزءاً من الخطاب السياسي اليومي. فإن المقارنة لا يفرضها الخصوم. وإنما تفرضها الشعارات نفسها. فمن يعلن أنه يسير على خط أهل البيت عليهم السلام. يدعو الناس ضمناً إلى قياس تجربته بالميزان الذي صنعه أولئك الأئمة. وهنا تبدأ الأسئلة التي يصعب الهروب منها.
اثنا عشر إماماً عاش أكثرهم تحت سيف السلطة. ولم يجعلوا من الإمامة طريقاً إلى امتياز. ولم يحيطوا أنفسهم بجيوش من الحراس. ولم تتحول المسؤولية عندهم إلى باب للثراء أو النفوذ. كانت قيمة الإنسان عندهم تسبق قيمة المنصب. وكان المال العام أمانة. وكانت السلطة إن حضرت وسيلة لإقامة العدل. وإن غابت لم تتغير المبادئ.
وعلى الضفة الأخرى يقف اثنا عشر سياسياً تصدروا المشهد العراقي طوال سنوات طويلة. امتلكوا الحكومات. والبرلمان. والنفوذ. والموارد. ورفعوا في كل مناسبة راية أهل البيت عليهم السلام. غير أن الدولة التي تشكلت تحت إدارتهم دفعت العراقيين إلى طرح سؤال مؤلم. أين انعكست تلك القيم على مؤسسات الحكم. وأين ظهرت في إدارة المال العام. وأين تجلت في توزيع الفرص. وأين حضرت في بناء دولة يشعر فيها المواطن أن القانون أقوى من النفوذ.
يصعب على العراقي أن يتجاهل هذه المفارقة. فهو يرى أن الصراع السياسي لا يدور حول أفضل السبل لخدمة الناس. وإنما حول من يحتفظ بالموقع. ومن يحصل على الوزارة. ومن يدير الهيئة. ومن يملك القرار. حتى أصبحت السلطة عند كثيرين هدفاً قائماً بذاته. بينما بقيت الدولة مشروعاً مؤجلاً ينتظر من يتفرغ لبنائه.
هذه ليست مقارنة بين رجال عاشوا في عصرين مختلفين. إنها مقارنة بين معيارين للقيادة. معيار يرى أن المنصب يزداد قيمة كلما ازدادت التضحية من أجله. ومعيار آخر تقاس فيه السياسة بحجم ما تحققه من نفوذ وقدرة على الاحتفاظ بالسلطة. وبين المعيارين تتحدد صورة العراق التي يراها مواطنوه كل يوم
هذه المفارقة لا تتوقف عند حدود الخطاب السياسي. وإنما تمتد إلى الطريقة التي فُهمت بها السلطة نفسها. فالأئمة عليهم السلام لم ينظروا إلى الإمامة بوصفها باباً للنفوذ. وإنما حملاً ثقيلاً لا ينهض به إلا من جعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار. ولذلك لم يورثوا الناس قصوراً. ولا شبكات مصالح. ولا طبقة من المنتفعين. وإنما ورثوهم مدرسة في العدل والزهد وصيانة المال العام واحترام الإنسان.
وفي التجربة العراقية تبدو الصورة معاكسة إلى حد بعيد. فالسلطة التي قيل إنها ستكون وسيلة لإقامة دولة العدالة. تحولت مع مرور السنوات إلى منظومة واسعة من النفوذ والامتيازات. واتسعت الدرجات الخاصة. والمخصصات. والحمايات. والمواقع العليا. وتشابكت المصالح حتى أصبح الحفاظ عليها جزءاً من معادلة الحكم. وفي قلب هذا المشهد بقي قادة الطاولة المستديرة الاثنا عشر يديرون السلطة بطريقة جعلت بقاء هذه المنظومة يتقدم على بناء مؤسسات قادرة على خدمة المواطن.
والمفارقة أن أكثر الشعارات حضوراً كانت شعارات أهل البيت عليهم السلام. غير أن الدولة التي تشكلت عكست ترتيباً مختلفاً للأولويات. ففي مدرسة الأئمة كان الإنسان هو الغاية. وكانت السلطة إن وجدت وسيلة لحفظ كرامته وإقامة العدل بين الناس. أما في التجربة السياسية التي قادها هؤلاء الاثنا عشر. فقد أصبحت السلطة هي المركز الذي تدور حوله التحالفات. والمصالح. والامتيازات. ثم يأتي المواطن في نهاية المشهد منتظراً ما يتبقى له من وعود الإصلاح.
ولهذا لم يعد الجدل يدور حول صدق الشعارات من عدمها. فالشعارات يسمعها الجميع. لكن الدول لا تقاس بما تقوله. وإنما بما تنتجه. وحين يقارن العراقي بين سيرة الأئمة عليهم السلام. وبين ما آلت إليه مؤسسات الدولة خلال أكثر من عقدين. فإنه لا يحتاج إلى من يخبره أين تبدأ المسافة بين النموذجين. فهو يراها في تفاصيل حياته اليومية. وفي شكل الدولة التي يعيش فيها. وفي الأولويات التي تحكم القرار السياسي منذ سنوات طويلة
وربما لهذا السبب لا تبدو المقارنة بين الفريقين مقارنة في الأسماء أو في العدد. وإنما في معنى القيادة نفسه. فاثنا عشر إماماً تركوا للأمة ميزاناً تقاس به السلطة. ولم يطلبوا من الناس أن يقدسوهم بقدر ما أرادوا منهم أن يتمسكوا بالعدل والصدق والأمانة وصيانة حقوق الإنسان. ولهذا بقي حضورهم حياً بعد قرون طويلة. لأن المبادئ التي عاشوا من أجلها كانت أكبر من أعمارهم. وأكبر من كل سلطة واجهوها.
وفي الجهة الأخرى يقف اثنا عشر سياسياً ملأوا الفضاء العام بخطاب الولاء لأهل البيت عليهم السلام. لكن التجارب السياسية لا يخلدها مقدار ما ترفعه من شعارات. وإنما مقدار ما تتركه من أثر في حياة الناس. والدولة التي خرجت من رحم هذه التجربة ما زالت تبحث عن مؤسسات قوية. وعن اقتصاد مستقر. وعن عدالة يشعر بها المواطن قبل أن يسمعها في الخطب. وما زال العراقي يسأل السؤال ذاته بعد أكثر من عقدين. كيف يمكن لمن يعلن انتسابه إلى مدرسة العدل أن ينتج دولة يزداد فيها شعور الناس بالظلم وفقدان الثقة.
إن التاريخ لا يقسو على أحد. لكنه لا يجامل أحداً أيضاً. فهو يضع كل تجربة أمام معيارها الذي اختارته بنفسها. ومن جعل الأئمة عليهم السلام مرجعيته السياسية والأخلاقية. لا يحاسبه الناس على أقواله وحدها. وإنما على مقدار ما اقتربت دولته من تلك القيم. لأن القدوة ليست راية ترفع في موسم الانتخابات. ولا شعاراً يردد في المناسبات. إنها سلوك يومي يظهر في إدارة المال العام. وفي احترام القانون. وفي تقديم الكفاءة على الولاء. وفي جعل المواطن أول المستفيدين من السلطة. لا آخر من تصل إليه ثمارها.
ويبقى الفرق بين النموذجين واضحاً مهما حاولت السياسة أن تطمس ملامحه. فهناك اثنا عشر إماماً صنعوا أمة لأنهم انتصروا للمبدأ على حساب السلطة. وهنا اثنا عشر سياسياً جعلوا السلطة محور تجربتهم حتى تراجعت الدولة أمام حسابات النفوذ والمصالح. وبين هذين الطريقين يقف العراق اليوم. لا يبحث عن شعارات جديدة. وإنما عن تجربة حكم تثبت أن الاقتداء بأهل البيت عليهم السلام يبدأ من العدل. لا من ادعائه. ومن خدمة الناس. لا من إدارة السلطة باسمهم.

